حصة متنامية للسيارات الكهربائية عالميًا
في عام 2025، شكّلت السيارات الكهربائية نحو ربع إجمالي مبيعات السيارات عالميًا، فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تصل حصتها إلى نحو 15% من إجمالي المركبات على الطرق بحلول عام 2030.
إعادة تشكيل أنظمة الطاقة بفعل الانتشار المتسارع
ويُعيد الانتشار المتسارع للسيارات الكهربائية تشكيل أنظمة الطاقة العالمية، إلا أن التحول الأكثر عمقًا يتجاوز مجرد نسب التبني. فالمسألة لم تعد تقتصر على سرعة انتشار السيارات الكهربائية، بل تمتد إلى كيفية إعادة تشكيلها لإجمالي الطلب على الطاقة، وإعادة تعريف أساليب استهلاكها وتوزيعها وموازنتها بين الاقتصادات المختلفة.
فهم التحول يتجاوز أرقام المبيعات
ويتطلب فهم هذا التحول تجاوز أرقام المبيعات التقليدية، نحو تحليل التغيرات في الطلب على الكهرباء، وقدرات الشبكات، والبنية التحتية اللازمة لدعم قطاع نقل يشهد تحوّلًا متزايدًا نحو الكهربة.
إعادة تنظيم شاملة لتدفقات الطاقة
ما يتشكل اليوم لا يقتصر على استبدال مصدر طاقة بآخر، بل يمثل إعادة تنظيم شاملة لتدفقات الطاقة.
وفي هذا السياق، يقول هايكو سيتز، الشريك ورئيس قسم التنقل الكهربائي العالمي في شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC): ينتقل قطاع النقل من نظام قائم على الجزيئات إلى نظام قائم على الإلكترونات. ولا تستبدل السيارات الكهربائية النفط فحسب، بل تعيد تشكيل منظومة الطاقة ككل”.
نمو مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا
ويؤدي قطاع النقل دورًا محوريًا في هذا التحول. فقد بلغ عدد السيارات الكهربائية المبيعة عالميًا نحو 20.7 مليون سيارة في عام 2025، بزيادة قدرها 20% مقارنة بعام 2024، وفقًا لبيانات شركة Benchmark Mineral Intelligence.
ارتفاع قوي في الطلب على الكهرباء
وفي السياق ذاته، ارتفع الطلب على الكهرباء الناتج عن هذه السيارات بنحو 38% خلال العام نفسه، ليمثل أكثر من 10% من نمو الطلب العالمي على الكهرباء، مقارنة بنحو 4% فقط خلال العقد السابق.
نمو محدود لاستهلاك الطاقة رغم زيادة الحركة
ومع ذلك، من المتوقع أن يشهد إجمالي الطلب على الطاقة في قطاع النقل البري ارتفاعًا طفيفًا فقط. ففي سيناريو السياسات المعلنة (STEPS) الصادر عن الوكالة الطاقة الدولية، يُتوقع أن يرتفع عدد الكيلومترات التي تقطعها المركبات بنحو 20% بحلول عام 2030، بينما لا يتجاوز نمو استهلاك الطاقة في القطاع ذاته 5%.
كفاءة أعلى لكل كيلومتر مقطوع
ويعكس هذا الفارق ميزة أساسية للكهرباء، تتمثل في كفاءة أعلى بكثير لكل كيلومتر مقطوع، أي تحقيق حركة أكبر باستهلاك طاقة أقل.
تحول في طبيعة الطلب على الطاقة
ويؤكد سيتز هذا التحول بقوله: “الأمر الأهم ليس زيادة هائلة في إجمالي الطلب على الطاقة، بل تحوّل طبيعة هذا الطلب نفسه”.
تحول التحدي من الإنتاج إلى التوزيع
مع تسارع تبني السيارات الكهربائية، ينتقل مركز التحدي من إنتاج الطاقة إلى توزيعها، مع ضرورة الحفاظ على استقرار الشبكة وتجنب الاختناقات أو تراجع الكفاءة أو الانقطاعات.
سعة الشبكة المحلية محور التحدي
ويقول سيتز: “غالبًا ما يُساء فهم المخاطر. ففي معظم الأسواق، لا تكمن المشكلة في نقص الكهرباء بشكل عام، بل في سعة الشبكة المحلية، وذروة الطلب، وآليات التنسيق”.
تصاعد استهلاك الكهرباء من السيارات الكهربائية
وتتضح ملامح هذا الضغط بالفعل. فقد بلغ استهلاك الكهرباء العالمي من السيارات الكهربائية نحو 180 تيراواط/ساعة في عام 2024، أي ما يعادل 0.7% من إجمالي الطلب، مع توقع ارتفاعه إلى حوالي 780 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
تحديث الشبكات شرط لخفض الانبعاثات
ولا يمكن أن يشكل التحول إلى الكهرباء مسارًا فعّالًا لخفض الانبعاثات الكربونية إلا إذا ترافق مع تحديث شامل لشبكات الكهرباء. وفي هذا الإطار، تشير بينغ تشنغياو، رئيس قسم أبحاث الطاقة المتجددة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى S&P Global، إلى أن “تجنب الاختناقات يتطلب تخطيطًا منسقًا يشمل البنية التحتية للشحن وتحديثات شبكات التوزيع، وأن الحل الأمثل على المدى القريب يتمثل في إدارة الطلب”.
ضغط متزايد على شبكات التوزيع
ويبرز التحدي بشكل خاص على مستوى شبكات التوزيع، إذ تشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها لعام 2025 بعنوان Energy use for transportation إلى أن الشبكات قد تحتاج إلى تحديثات في المناطق التي يتم فيها شحن أعداد كبيرة من المركبات في الوقت نفسه، ما قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في الطلب.
تحديات البنية التحتية للشحن السريع
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في البنية التحتية للشحن السريع، التي تعتمد على وصلات شبكية مستقرة وعالية السعة. ومع ذلك، لا يزال ربط محطات الشحن الجديدة بالشبكة عملية بطيئة ومعقدة في العديد من المناطق، خاصة في ظل البنية التحتية القديمة.
استثمارات ضخمة مطلوبة لشبكات الكهرباء
وتشير التقديرات إلى الحاجة إلى استثمارات ضخمة لمواكبة هذا التحول. إذ تُقدّر BloombergNEF أن الاستثمارات المطلوبة عالميًا في شبكات الكهرباء ستبلغ نحو 15.8 تريليون دولار بحلول عام 2050 وفق سيناريو التحول الأساسي، مع توجيه جزء كبير من هذا الاستثمار نحو البنية التحتية المادية مثل الأسلاك والكابلات والمحطات الفرعية والأبراج، حيث يُتوقع أن يشكل شحن المركبات الكهربائية أحد المحركات الرئيسية لهذا الإنفاق.
فوارق إقليمية في جاهزية الشبكات
وتظهر الفوارق الإقليمية بوضوح في هذا السياق. ففي أوروبا، حيث يزيد عمر نحو 40% من الشبكات الكهربائية على أربعة عقود، تُقدّر المفوضية الأوروبية الحاجة إلى نحو 584 مليار يورو من الإنفاق الرأسمالي على شبكات الكهرباء بحلول عام 2030، بهدف دعم أهداف التحول الكهربائي وخفض الانبعاثات الكربونية، وفق بيانات S&P Global.
دور الشبكات الذكية والذكاء الاصطناعي
وتضيف تشنغياو: “ستكون إدارة الشبكات الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا، إذ تتيح التنبؤ في الوقت الفعلي، وإدارة الأحمال بمرونة، وتحسين استخدام الأصول الحالية، بما يؤخر الحاجة إلى التوسع المادي المكلف مع الحفاظ على موثوقية الشبكة”.
الطاقة المتجددة محرك رئيسي للطلب المتزايد
من المتوقع أن يؤدي التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة دورًا محوريًا في استيعاب الطلب المتزايد على الكهرباء الناتج عن انتشار السيارات الكهربائية، فضلًا عن إعادة تشكيل مزيج الطاقة بشكل عام.
تحول هيكلي في توليد الكهرباء عالميًا
في عام 2025، تجاوز نمو مصادر الطاقة منخفضة الكربون الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء، وهو ما يشير إلى تحول هيكلي في آليات توليد الطاقة.
الطاقة الشمسية تقود النمو العالمي
وكانت الطاقة الشمسية المحرك الرئيسي لهذا التحول. فقد ارتفع توليد الطاقة الكهروضوئية الشمسية بمقدار 600 تيراواط/ساعة في عام 2025، مسجلًا بذلك أكبر زيادة سنوية لأي مصدر طاقة خارج فترات التعافي التي أعقبت الأزمات، ومساهمًا بنحو 70% من نمو الطلب العالمي على الكهرباء.
ارتفاع حصة الطاقة الشمسية عالميًا
ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة الطاقة الشمسية من إجمالي التوليد العالمي إلى أكثر من 8%، وفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية.
نمو الطاقة النووية وطاقة الرياح
كما سجلت مصادر الطاقة منخفضة الكربون الأخرى نموًا ملحوظًا؛ إذ ارتفع توليد الطاقة النووية بنحو 1.2% ليصل إلى مستوى قياسي، بينما نمت طاقة الرياح بنحو 8%، رغم ضعف ظروف الرياح في بعض الأسواق الرئيسية.
تجاوز نمو الطاقة النظيفة الطلب العالمي
وبذلك، تجاوز النمو في مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية مجتمعةً إجمالي الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء خلال عام 2025.
دلالات استراتيجية لمنطقة الخليج
أما في منطقة الخليج، فإن لهذه التطورات دلالات استراتيجية واضحة. وفي هذا السياق، يقول هايكو سيتز، الشريك في PwC: تتمتع المنطقة بإمكانات هائلة في مجال الطاقة الشمسية، وخطط طموحة للطاقة النظيفة، وقدرة على تنفيذ البنية التحتية على نطاق واسع.
السيارات الكهربائية ضمن أجندة التحول الاقتصادي
ولا ينبغي النظر إلى السيارات الكهربائية باعتبارها مجرد ملف للنقل، بل كجزء من أجندة أوسع للتحول في قطاع الطاقة والتنويع الاقتصادي”.




