- • لإعادة بناء القطاع المالي والخروج التدريجي من الاقتصاد النقدي
- • إصدار أدوات دين محلية يشكّل محطة أساسية في مسار إعادة بناء القطاع المالي
قال وزير المالية السوري يسر برنية في مقابلة خاصة مع CNN الاقتصادية إن الحكومة السورية تعمل على تهيئة الظروف لإطلاق أدوات دين محلية، في خطوةٍ قد تمهّد لدخول سوق السندات خلال النصف الثاني من عام 2026، وذلك في إطار جهود أوسع لإعادة بناء القطاع المالي والخروج التدريجي من الاقتصاد النقدي.
وأوضح برنية أن التوجه الحالي يتركّز على إصدار أدوات دين في السوق المحلية وبالليرة السورية بهدف اختبار مدى تقبّل السوق لهذه الأدوات، وقياس جاذبيتها للمستثمرين المحليين، قبل التفكير بأي توسّع إضافي. وأضاف أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار تدريجي يهدف إلى خلق أدوات لتسعير الأصول المالية داخل السوق السورية، وتعزيز البنية الأساسية للقطاع المالي.
وأشار وزير المالية إلى أن العودة إلى أسواق الدين الدولية ليست مطروحة في المرحلة الحالية، مؤكداً أن أي توجه من هذا النوع يبقى مشروطاً بتحقيق مستويات مناسبة من الجدارة الائتمانية والتصنيف السيادي. وقال إن الأولوية اليوم هي استعادة الثقة بالاقتصاد السوري والنظام المالي، داخلياً ومع المجتمع الدولي، عبر خطوات محسوبة وتراكمية.
ويأتي هذا التوجه في وقتٍ تسعى فيه الحكومة السورية إلى تطوير الإطار المالي والمصرفي، بعد سنوات من الاعتماد الواسع على الاقتصاد النقدي، وهو ما حدّ من قدرة الدولة على إدارة السياسة المالية، وقيّد دور المصارف في تمويل النشاط الاقتصادي.
وبرأي برنية، فإن إصدار أدوات دين محلية يشكّل محطة أساسية في مسار إعادة بناء القطاع المالي، ليس فقط كأداة تمويل، بل كوسيلة لتنظيم السوق، وتحسين الشفافية، وإعادة وصل المصارف بدورها الطبيعي في الاقتصاد. وأضاف أن الحكومة تفضّل التدرج في هذه الخطوات، تفادياً لأي صدمات قد تؤثر في الاستقرار المالي.
موازنة 2026.. موازنة استعادة الدولة
يصف برنية موازنة 2026 بأنها موازنة «إعادة العافية» للاقتصاد السوري، موضحاً أن الدولة جاءت إلى هذه المرحلة من وضع «غير طبيعي». ويعرض أرقاماً تعكس حجم التحوّل: ففي عام 2023، كانت موارد الدولة أقل من 4 مليارات دولار، بعدما كانت قبل الأزمة تنفق نحو 12 مليار دولار سنوياً. اليوم، ارتفعت الموارد إلى نحو 6 مليارات دولار.
هذا التحسّن، وفق قوله، لا يعني أن الدولة استعادت كامل قدرتها، بل أنها بدأت تستعيد دورها الطبيعي تدريجياً، من خلال تحسين الجباية، وليس عبر فرض أعباء جديدة، بما يسمح لاحقاً بالاستثمار في الطرق، والبنى التحتية، والكهرباء، ورفع الأجور.
النمو والإنفاق العام.. مقاربة إيجابية
رغم القلق من التضخم، يرى وزير المالية أن الموازنة إيجابية للنمو. فإعادة تمكين القطاع العام تتيح للدولة الإنفاق على الرواتب والمستشفيات والضمان الصحي إضافة إلى استثمارات تُقدّر بنحو 700 مليون دولار في قطاعات مختلفة، وعلى رأسها الطرق والبنية التحتية.
ويعتبر أن عودة الدولة إلى حجمها الطبيعي شرط أساسي لأي تعافٍ اقتصادي، مشدداً على أن الاقتصاد لا يمكن أن يعمل دون مؤسسات عامة قادرة على أداء وظائفها الأساسية.
التضخم.. بين العوامل الخارجية والاختلالات الداخلية
يقرّ برنية بأن التضخم يمثل تحدياً حقيقياً في سوريا، على مستويين: ارتفاع الأسعار، ووتيرة الارتفاع السنوية التي تقترب من 15% في اقتصاد هش. ويشير إلى أن جزءاً من هذا التضخم مستورد، بحكم أن سوريا تستورد نحو 95% من استهلاكها، وتتأثر مباشرة بارتفاع الأسعار العالمية وتقلبات أسعار العملات.
في المقابل، يعترف بوجود عوامل داخلية، من بينها سلوكيات تسعير غير مبررة، واحتكارات، وضعف المنافسة. ويؤكد أن معالجة التضخم لا يمكن أن تتم من دون إصلاحات هيكلية، أبرزها زيادة الإنتاج، إذ «لا شيء يوقف التضخم إذا لم نرفع العرض».
ضبط الأسواق وحماية المستهلك
للحد من الارتفاع غير المبرر للأسعار، يشير وزير المالية إلى تفعيل قانون المنافسة وحماية المستهلك، ويكشف أن الجهات المعنية نفذت خلال العام الماضي نحو 2000 زيارة تفتيشية على السوبرماركت والمطاحن والأفران ومحال الغذاء، وأسفرت عن تنظيم نحو 6000 محضر ضبط.
ويؤكد أن الحكومة تحاول قدر الإمكان ضبط السوق، مع الإقرار بأن جزءاً من التضخم خارج عن السيطرة بسبب العوامل العالمية، فيما الجزء الآخر يخضع لمحاولات المعالجة عبر الرقابة والإصلاحات التشريعية.
الاقتصاد النقدي والقطاع المصرفي
في حديثه عن الاقتصاد النقدي، يشير برنية إلى أن نسبة كبيرة من الناتج المحلي ما زالت خارج النظام المصرفي، معتبراً أن معالجة هذا الواقع تبدأ بإعادة هيكلة القطاع المصرفي. ويربط ذلك مباشرة بقانون الفجوة المالية، الذي يرى فيه أداة أساسية لإعادة الثقة، وتقليص الاعتماد على “الكاش”.
ويشرح أن القانون يهدف إلى تحقيق ثلاثة أمور متلازمة: إعادة الودائع، ولا سيما الصغيرة منها، إعادة هيكلة المصارف، وتعزيز المحاسبة. ويضيف أن المودعين الكبار سيحصلون على وضوح بشأن مصير أموالهم، من خلال أدوات مالية مدعومة بأصول، في إطار مسار طويل الأمد.
قانون الفجوة المالية.. رهان قبل الانتخابات
رغم الشكوك حول قدرة البرلمان على تمرير القانون في سنة انتخابية، يبدي وزير المالية تفاؤلاً. ويقول إن القانون يعالج مسألة جوهرية للاقتصاد، وإن أثره الإيجابي لا يقتصر على القطاع المصرفي، بل يمتد إلى النمو، والاستثمار، والانتقال من الاقتصاد النقدي إلى اقتصاد أكثر انتظاماً.
ويؤكد أن الحكومة منفتحة على أي تعديلات أو اقتراحات، معتبراً أن الأهم هو كسر حالة الجمود، ووضع حل واضح على الطاولة، بدل الاستمرار في إدارة الأزمة.




