كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال”، عن نيته ترشيح كيفن وارش، العضو السابق في مجلس بنك الاحتياطي الفيدرالي، رئيسًا للبنك المركزي للولايات المتحدة.
لكن خلافًا للتوقعات، جاء اسم وارش كصدمة للأسواق، التي تراجعت بشكل مفاجئ.
تراجع الذهب بنسبة 12.7% إلى 4,690 دولارات للأونصة، والفضة بنسبة 35% كاملة إلى 74 دولارًا للأونصة.
وشهدت الأسهم الأميركية أيضًا هبوطًا قاسيًا، مع تراجع مؤشر ناسداك بنسبة 1.08%، ومؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.8%، فيما هبط مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 1.07%.
ولطالما دعا ترامب إلى رحيل رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الذي تنتهي ولايته في مايو، مشيرًا إلى أنه يقف حائلًا أمام نمو الاقتصاد الأميركي وانتعاش الأسواق.
ومنذ توليه المنصب قبل عام، شن ترامب حربًا قاسية على باول، ناعتًا إياه بـ”الفاشل” و”الأحمق”، ضمن ألفاظ أخرى، بسبب تباطؤه في خفض الفائدة.
ولكن ترامب قال، في منشوره أمس الجمعة، إنه “لا يساوره أي شك في أن وارش سيُخلّد اسمه كواحد من أعظم رؤساء مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وربما الأفضل على الإطلاق”.
فكيف جاء ترشيح ترامب لكيفن وارش بنتائج عكسية لرغبة الرئيس الأميركي، الذي يصر على ضرورة خفض الفائدة الأميركية لتصبح “الأقل في العالم”؟
استجابة سلبية للأسواق
أشار محللو دويتشه بنك، في مذكرة صدرت أمس الجمعة، إلى أن استجابة الأسواق السلبية لترشيح وارش جاءت بالنظر إلى ماضيه كمحافظ في الاحتياطي الفيدرالي بين عامي 2006 و2011، وهي الفترة التي شهدت استجابة الاحتياطي الفيدرالي للأزمة المالية العالمية.
وجاء في المذكرة: “رغم أن تصريحاته الأخيرة كانت مؤيدة لخفض معدلات الفائدة، إلا أنه كان في السابق ينتقد بشدة استخدام الاحتياطي الفيدرالي المفرط لميزانيته العمومية”، من خلال سياسات بينها التيسير النقدي.
وخلال الأشهر الماضية، أبدى وارش، البالغ 55 عامًا، انتقادًا لاذعًا لسياسات باول في إدارة الاحتياطي الفيدرالي، واصفًا سياساته بأنها “أكبر خطأ في السياسة الاقتصادية الكلية خلال 45 عامًا”.
وسبق أن صرح وارش لقناة فوكس: “يمكننا خفض أسعار الفائدة بشكل كبير، وبالتالي الحصول على قروض عقارية ثابتة لمدة 30 عامًا بحيث تكون في متناول الجميع، مما يسمح لنا بتنشيط سوق الإسكان مرة أخرى”.
ويذكر أن ترامب درس ترشيح وارش لمنصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي إبان فترة رئاسته الأولى عام 2017، لكن اختياره وقع في النهاية على جيروم باول، وهو ما يُبدي الآن ندمه عليه.
ويقول كبير استراتيجيي الأسواق في إكويتي غروب “Equiti Group”، نور الدين الحموري، إن الأسواق استغربت الاختيار لأن وارش “متشدد ولا يعني بالضرورة تخفيض الفائدة”.
ويوضح الحموري لفوربس الشرق الأوسط: “الأسواق تلقت الاختيار على أن تخفيض الفائدة لن يتم بالشكل الذي يريده ترامب، وهو ما يفسر لماذا هبطت الذهب والفضة والأسواق، بينما ارتفعت عوائد السندات الأميركية”.
وارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.279%، فيما ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.6% إلى 96.88 نقطة، ما يزيد الضغط على الذهب، الذي ينافس العملة الأميركية كمخزن مضمون للقيمة.
ارتفاع الذهب مستمر
ورغم ميل الأسواق إلى افتراض توجه وارش للتحفظ في سياسات خفض الفائدة، اعتمادًا على تصريحات سابقة خلال الأزمة المالية العالمية أعطت الأولوية لمكافحة التضخم، يؤكد خبير الأسواق المالية العالمية أشرف العايدي وجود عوامل أخرى من شأنها دعم استمرار الاتجاه الصعودي للسلع، وفي مقدمتها الذهب.
ويتوقع العايدي خفضًا حتميًا للفائدة في النصف الثاني من العام الجاري، مؤكدًا أنه من غير المستبعد أن يرتفع الذهب إلى 6,000 دولار للأونصة خلال العام، تماشيًا مع توقعات دويتشه بنك.
ويشير العايدي إلى أن وارش متزوج من جين لودر، ابنة الملياردير الأميركي رونالد لودر، وريث مجموعة إستيه لودر، وأحد أكبر الداعمين لترامب والمتحمسين لاقتراحه ضم جزيرة غرينلاند القطبية إلى الولايات المتحدة، مضيفًا أنه لا يتوقع أن يتخذ وارش قرارات معارضة للسياسات النقدية للبيت الأبيض.
وقرر الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير في اجتماع الأسبوع الجاري.و يعقد المحلس اجتماعين لاحقين قبل أولى جلساته بعد انتهاء ولاية باول في يونيو.
تراجع مؤقت لأسعار المعادن
ويتفق الحموري أيضًا على أن التراجع الكبير في أسعار المعادن مؤقت و”طبيعي جدًا لأن الارتفاعات السابقة كانت مفرطة ومبالغًا فيها”.
وكان الذهب والفضة قد بلغا مستويات غير مسبوقة تاريخيًا خلال الأسبوع الجاري، وصلت إلى 5,600 دولار و121 دولارًا للأونصة على التوالي، قبل أن يتراجعا خلال الجلستين الماضيتين، وهو ما أرجعه المحللون إلى موجة بيعيةلجني الأرباح.
ويوضح الحموري أن الضغوط على أسعار المعادن ستظل “لفترة محدودة” فقط، مع استمرار الطلب العالمي من المستثمرين، سواء من المتداولين أو الأفراد، مرجحًا احتمال تجاوز الذهب عتبة 6,000 دولار للأونصة، في ظل ما قال إنه فشل ترامب في تحقيق أهدافه الاقتصادية.
كما يتوقع الحموري أن يمارس وارش سياسة مالية أقل تساهلا مما يطالب به ترامب، وهو ما سينعكس على استمرار التوجه الصعودي لأسعار المعادن، موضحًا أن المؤشرات الاقتصادية تفيد بأن “سياسة ترامب حتى الآن لم تُجنِ ثمارها ولن تُجنِي ثمارها”.
ويشير إلى أن مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة، الصادر أمسالجمعة، أظهر ارتفاعًا بنسبة 3.3% على أساس سنوي، وهو الأعلى منذ يوليو/تموز 2025، ما يكشف عن بقاء التضخم فوق مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
وظل معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة ثابتًا عند 2.7% في ديسمبر، مع استقرار التضخم الأساسي عند 2.6%.




