رسم الأراضي الفضاء في دولة الكويت
الكاتب:سهى الساحلي
أعاد القانون رقم 126 لسنة 2023 بشأن مكافحة احتكار الأراضي الفضاء صياغة العلاقة بين الملكية العقارية والسلوك الاقتصادي في دولة الكويت عبر فرض رسم سنوي متصاعد على الأراضي السكنية غير المطوّرة. ورغم أنّ المشرّع لم يستخدم لفظ الضريبة، فإن الأثر الاقتصادي لهذا الرسم يضعه في الفئة نفسها التي تنتمي إليها من حيث الهدف والدور التنظيمي.
بخلاف الأنواع التقليدية من الضرائب حيث يكون التركيز على تجميع الإيرادات لصالح الدولة، تأتي الرسوم أو الضرائب المفروضة على الأراضي الفضاء في إطار مختلف. الغاية هنا ليست تحصيل إيرادات بل تتصل مباشرة بسلوك المالك و دفعه إلى اتخاذ قرارات اقتصادية فعّالة، أو تحمّل عبء مالي متزايد مع مرور الوقت.
تُظهر التجارب الدولية المقارنة أن الرسوم أو الضرائب على الأراضي الفضاء تستهدف معالجة ما يُعرف بالسكون العقاري، أي الاحتفاظ بمساحات واسعة من الأراضي دون تطوير، سواء بدافع الانتظار أو المضاربة. وقد أكدت المحكمة الدستورية الكويتية هذا التوجّه في الطعن رقم (15 لسنة 2024)، عندما نصت أن هذه الرسوم لا تُعد عقوبة، ولا تمثل مساسًا بحق الملكية أو بأي من المبادئ الدستورية الأخرى، وإنما هي أداة تنظيمية مشروعة تهدف إلى الحد من احتكار الأراضي بما يحقق مصلحة عامة تتعلق بالسكن، واستخدام الأرض، والتخطيط العمراني، في إطار السلطة التقديرية المخوّلة للمشرّع في تنظيم السوق العقارية
تُظهر التجارب الدولية المقارنة أن الرسوم أو الضرائب على الأراضي الفضاء تستهدف معالجة ما يُعرف بالسكون العقاري، أي الاحتفاظ بمساحات واسعة من الأراضي دون تطوير، سواء بدافع الانتظار أو المضاربة. وقد أكدت المحكمة الدستورية الكويتية هذا التوجّه في الطعن رقم (15 لسنة 2024)، عندما نصت أن هذه الرسوم لا تُعد عقوبة، ولا تمثل مساسًا بحق الملكية أو بأي من المبادئ الدستورية الأخرى، وإنما هي أداة تنظيمية مشروعة تهدف إلى الحد من احتكار الأراضي بما يحقق مصلحة عامة تتعلق بالسكن، واستخدام الأرض، والتخطيط العمراني، في إطار السلطة التقديرية المخوّلة للمشرّع في تنظيم السوق العقارية
في معظم التجارب الدولية، تُفرض الرسوم وفق نظام ad valorem، أي كنسبة مئوية من القيمة السوقية للأرض. وغالبًا ما تبدأ هذه النسب من 1% من قيمة الأرض، كما هو الحال في أستراليا وكندا، مع وضع سقف أعلى يحدده القانون لا يتجاوز عادة 3%. وفي بعض الدول، مثل المملكة العربية السعودية وفق آخر التعديلات، نصّ القانون على حد أقصى للرسم «لا يزيد على 10% من قيمة الأرض» وفق ضوابط تحددها اللوائح التنفيذية. كما أدخل النظام رسمًا على العقارات الشاغرة يُحتسب على أساس أجرة المثل وبما لا يزيد على 5% من قيمة العقار، مع إمكانية رفعه إلى 10% بقرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح اللجنة الوزارية المختصة التي يُقرّ تشكيلها وزير الإسكان.
يُلاحظ هنا أن المملكة العربية السعودية تعتمد وعاءين مختلفين للرسوم: “الأراضي البيضاء” و”العقارات الشاغرة”، مع بقاء أساس الاحتساب مرتبطًا بالقيمة، سواء من حيث قيمة الأرض أو قيمة العقار وأجرة المثل.
وتذهب بعض الأنظمة إلى مدى أبعد في معالجة هذه الإشكاليات؛ ففي البرازيل على سبيل المثال، مُنحت البلديات صلاحيات تدريجية تبدأ بفرض ضريبة تصاعدية على الأراضي الفضاء بنسب متزايدة وقد تصل في بعض الحالات إلى نزع ملكية الأرض لصالح الدولة. ويُستفاد من هذا الإطار أن المنطق التشريعي ينظر إلى هذا النوع من الرسوم التصاعدية كجزء من مسار متكامل يهدف إلى كسر الجمود العقاري ودفع المُلّاك إلى إعادة توظيف الأراضي بما يحقق المصلحة العامة.
وعلى اختلاف هذه النماذج، يظل القاسم المشترك بينها أن العبء المالي يبقى، في مجمله، محدودًا نسبيًا ومرتبطًا بتقلبات السوق وآليات التقييم العقاري
في المقابل، اختار المشرّع الكويتي نموذجًا مختلفًا نوعا حيث أن الرسم لا يقوم على نسبة مئوية من قيمة الأرض بل ينطلق من قيمة محددة (10د.ك/ م²) ثم يصل إلى (100د.ك/ م²) في السنة الرابعة. هذا الفرق في الآلية عنصر حاسم في فهم الأثر الفعلي للرسم فالمساحة، بخلاف القيمة، عنصر ثابت لا يتأثر بحالة السوق أو بتجميد التداول، مما يجعل الكلفة تتراكم بمرور الزمن بغضّ النظر عن الظروف المحيطة.
لتقريب الأثر العملي على الملاك، يمكن النظر إلى مثال مالك يملك 5,000 م² من أرض سكنية فضاء. بعد استبعاد 1,500 م² غير خاضعة للرسم، تبقى 3,500 م² خاضعة للاحتساب:
- السنة الأولى: 3,500 × 10 = 35,000 د.ك
- السنة الثانية: 3,500 × 40 = 140,000 د.ك
- السنة الثالثة: 3,500 × 70 = 245,000 د.ك
- السنة الرابعة وما بعدها: 3,500 × 100 = 350,000 د.ك سنوياً
أي أن الزيادة النسبية في الرسم ترتفع نحو 400% من سنة الأساس في السنة الثانية، و منها إلى 700% في السنة الثالثة، ثم تبلغ حوالي 1,000% في السنة الرابعة قياساً بسنة الأساس.
يُبيّن هذا التسلسل أن مرور ثلاث سنوات من دون تحرّك فعلي قد ينقل المالك من عبء سنوي يقع في حدود عشرات الآلاف إلى عبء سنوي مستقر يناهز مئات الآلاف من الدنانير، وهو ما يضع هذا النموذج في فئة مختلفة من حيث سرعة التصاعد وحجم الأثر المالي مقارنةً بالعديد من النماذج الدولية الأخرى.
ومع ذلك، يلاحظ أن الإطار التشريعي، حتى الآن، لم يتجه إلى فرض عقوبات مشددة في حالات عدم الامتثال؛ إذ لم ينص القانون على غرامات أو فوائد متراكمة، ولا على الحجز على الحسابات أو الأجور، ولا على نزع الملكية. واكتفى بدلًا من ذلك بإلزام الجهات الحكومية بحظر التعامل مع المتخلفين عن سداد الرسوم، ومنع إتمام إجراءات نقل الملكية للقسائم غير المسددة رسومها، وهو ما يُعدّ في مجمله نظامًا عقابيًا مخففًا نسبيًا.
ما الذي يعنيه ذلك لملاك الأراضي الفضاء الخاضعة للقانون؟
يجب التنويه إلى أنه لا تزال بعض التفاصيل التنفيذية لهذا القانون قيد التشكّل، وهو أمر طبيعي في القوانين ذات الأثر الاقتصادي الكبير لكن غياب اللائحة التنفيذية في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة تعطّل تطبيق القانون، ذلك أن دورها يظل إجرائيًا في الأساس، يهدف إلى تنظيم آليات التنفيذ وتفصيلها، لا إلى إنشاء الالتزام من عدمه.
ففي ضوء الإطار التشريعي القائم، والموقف القضائي الذي استقر عليه حكم المحكمة الدستورية، يصبح من المنطقي توقّع بدء احتساب الرسوم مع مطلع المرحلة المقبلة، وهو ما يُرجّح أن يكون في بداية عام 2026.
هذا الواقع يضع الملاك أمام معادلة دقيقة نوعا ما فالاستعجال في اتخاذ قرارات غير مدروسة من كافة الجوانب قد يقود إلى تبعات مالية أو قانونية غير محسوبة، في حين أن التعويل على التأجيل أو انتظار مزيد من الوضوح قد لا يكون خيارًا آمنًا في ظل تصاعد زمني منصوص عليه صراحة في القانون.
القراءة المتأنية للأرقام، وفهم منطق القانون وتقاطعاته مع الجوانب المالية والعقارية والتنظيمية، تُعد عناصر بالغة الأهمية ينبغي أخذها بعين الاعتبار قبل الإقدام على أي خطوة، سواء تعلّق الأمر بالتطوير أو إعادة الهيكلة أو بأي تصرف آخر من شأنه التأثير في كيفية احتساب الرسم.
سهى الساحلي
ماجستير في القانون الدولي والضرائب الدولية
سها السهلي حاصلة على درجة الماجستير في القانون الدولي والضرائب الدولية من جامعة لوزان. تعمل كمستشارة قانونية، وهي مرتبطة بشركة امتثال للقانون، حيث تركز على المسائل القانونية المتعلقة بالتنظيم الدولي والضرائب.