قانون التجارة الرقمية الجديد
الكاتب: عبدالله العسعوسي
تخطو الكويت اليوم خطوة مفصلية نحو صياغة مستقبلها الاقتصادي الرقمي، حيث يأتي المرسوم بقانون رقم 10 لسنة 2026 بتنظيم العمل بقطاع التجارة الرقمية كاستجابة حتمية للتحولات المتسارعة في أنماط الاستهلاك العالمي. هذا التشريع لا يعد مجرد تنظيم إجرائي، بل هو إعلان عن جهوزية الدولة لاحتضان طفرة تكنولوجية واقتصادية شاملة تتماشى مع رؤية “كويت 2035”.
شرعنة القطاع وبناء الثقة المؤسسية
لقد جاء هذا القانون ليقوم بـ “شرعنة” الأنشطة التجارية التي كانت تمارس في فضاء رقمي يفتقر في كثير من جوانبه إلى التأصيل القانوني الواضح. فمن خلال وضع تعريفات جامعة مانعة لمفاهيم “المتجر الإلكتروني” و”موفر المنتج” و”المؤثرين”، نجح المشرع في نقل هذا القطاع من العفوية إلى الإطار المؤسسي الخاضع لرقابة وزارة التجارة والصناعة. إن عملية التأطير هذه تعد الضمانة الأولى لترسيخ “الأمان القانوني”، وهو المطلب الأول لأي مستثمر محلي أو أجنبي يبحث عن بيئة عمل مستقرة.
جذب الاستثمارات الخارجية: وضوح الرؤية مع مرونة تنظيمية محسوبة
إن أحد أبرز مستهدفات هذا القانون هو خلق بيئة تنافسية جاذبة للاستثمار الأجنبي. فالمستثمر العالمي يبحث دائماً عن تشريعات توفر الحماية لحقوق الملكية الفكرية، وتنظم التوقيع الإلكتروني، وتضع أطراً واضحة لسلامة المعاملات المالية الرقمية.
ولا يقتصر الأثر الاستثماري للقانون على توفير الحماية النظامية فحسب، بل يتجلى بوضوح في ما استحدثه من أدوات تنظيمية حديثة، وفي مقدمتها “البيئة التجريبية (Sandbox)” المنصوص عليها في المادة (31). فهذه الآلية تمثل نقلة تنظيمية متقدمة تسمح باختبار الابتكارات الرقمية في نطاق خاضع للإشراف والضبط، دون الاصطدام المباشر بالقيود التشريعية التقليدية.
إن تبني هذا النموذج يعكس تحولاً في الفلسفة التنظيمية من منطق المنع إلى منطق الإتاحة المشروطة، وهو ما يعزز ثقة الشركات التقنية الناشئة والعابرة للحدود بأن الكويت لا تكتفي بالتنظيم، بل تواكب روح الابتكار.
وفي سياق متصل، فإن تنظيم وسائل الدفع الإلكتروني وربط فرض أي رسوم إضافية بموافقة بنك الكويت المركزي يرسّخ مبدأ الحوكمة المالية والانضباط الرقابي. صحيح أن هذا القيد قد يُنظر إليه بوصفه تشدداً تنظيمياً، إلا أنه في جوهره يحقق استقراراً مالياً ويمنع الممارسات التعسفية، الأمر الذي يعزز ثقة المستثمر طويل الأمد الباحث عن سوق منظم لا تحكمه الفوضى أو الاجتهادات الفردية.
ومن خلال تبني معايير الأمن السيبراني المتقدمة وتحديد التزامات دقيقة لموفري الخدمات، يبعث القانون برسالة طمأنة للشركات العالمية الكبرى بأن السوق الكويتي بات يمتلك بنية تحتية تشريعية تضاهي المعايير الدولية، مما يقلل من المخاطر التشغيلية ويزيد من جاذبية السوق المحلي كوجهة للاستثمارات التقنية.
حماية المستهلك: توازن دقيق بين استقرار المعاملات وضمان العدالة
وفي المقابل، لم يغفل المشرع عن تعزيز حماية المستهلك المحلي، باعتباره الحلقة التي تتطلب رعاية خاصة في التعاقدات الإلكترونية. وتجدر الإشارة هنا إلى ما نصت عليه المادة (17) التي منحت المستهلك حق الرجوع في التعاقد خلال أربعة عشر يوماً من تاريخ تسلم المنتج أو إبرام عقد الخدمة، مع استرداد المبالغ المدفوعة، وهو ما يمثل تطوراً مهماً في البيئة التعاقدية الرقمية.
غير أن هذا الحق لم يُقر على إطلاقه، بل أحيط بجملة من الاستثناءات المنضبطة التي تراعي طبيعة المنتجات الرقمية والخدمات الفورية والسلع المصنوعة وفق مواصفات خاصة. فاستبعاد بطاقات التفعيل، والبرامج التي بدأ تنفيذها، والمنتجات القابلة للتلف أو المعدة خصيصاً، يعكس إدراكاً تشريعياً لطبيعة الاقتصاد الرقمي ويمنع إساءة استعمال الحق على نحو يزعزع استقرار المعاملات.
وبهذا، لم يذهب المشرع إلى حماية استهلاكية مطلقة، وإنما أقام توازناً دقيقاً بين مصلحة المستهلك واعتبارات اليقين التعاقدي، وهو ما يعزز الثقة المتبادلة في البيئة الرقمية.
كما فرض القانون التزامات صارمة بالشفافية والإفصاح عن البيانات وإصدار الفواتير الإلكترونية باللغة العربية، لضمان علم المستهلك بكافة تفاصيل العملية التجارية قبل إتمامها.
الرقابة والردع: سرعة الحسم مع ضمان المشروعية
ولضمان فاعلية هذه النصوص، استحدث القانون لجنتين متخصصتين هما “لجنة المخالفات” و”لجنة تسوية المنازعات”، بما يشكل إطاراً إدارياً ذا طبيعة شبه قضائية يهدف إلى سرعة الفصل وتقليل زمن التقاضي.
إن تخصيص جهة فنية للنظر في المخالفات الرقمية ينسجم مع طبيعة هذا القطاع الذي يتسم بالتسارع والتعقيد التقني، حيث لا تحتمل المنازعات فيه بطء الإجراءات التقليدية.
ومع ذلك، فإن الطبيعة الإدارية لهذه اللجان لا تعني تحصين قراراتها من الرقابة، إذ تظل خاضعة للرقابة القضائية وفقاً للقواعد العامة، بما يكفل صون مبدأ المشروعية وضمان حق التقاضي.
وبهذا، يجمع القانون بين سرعة الحسم الإداري وضمانات العدالة القضائية، في معادلة تنظيمية تحافظ على هيبة الدولة دون الإخلال بحقوق الأفراد.
وقد عزز المشرع هذه المنظومة بجزاءات رادعة تصل إلى الحبس والغرامة المالية ومصادرة الوسائل المستخدمة في الجرائم الرقمية، بما يقطع الطريق على أي ممارسات غير مشروعة قد تضر بسمعة الاقتصاد الوطني.
خاتمة
إن مرسوم التجارة الرقمية الجديد هو تجسيد لسياسة التوازن التي تنتهجها الدولة، فهو من جهة يفتح الأبواب مشرعة أمام الاستثمارات الخارجية عبر إطار قانوني موثوق ومرن، ومن جهة أخرى يوفر درعاً حصيناً يحمي حقوق المستهلك المحلي ويضبط فوضى الإعلانات الرقمية والمؤثرين.
وبذلك، تضع الكويت حجر الأساس لاقتصاد رقمي مستدام، آمن، ومزدهر، قادر على مواكبة المتغيرات العالمية بثقة وثبات.
غير أن اكتمال البناء التشريعي لهذا القطاع يظل معلقاً على صدور اللائحة التنفيذية التي أناط بها القانون بيان الكثير من التفاصيل الفنية والإجرائية. وقد أوجب المشرع إصدارها خلال سنة من تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسمية، على أن يبدأ العمل بأحكامه بعد مضي شهر من تاريخ نشر تلك اللائحة.
وهذه المرحلة التنظيمية المقبلة ستكون حاسمة في ترجمة المبادئ العامة للنص إلى قواعد عملية قابلة للتطبيق، بما يحدد بدقة نطاق الالتزامات، وآليات الرقابة، وضوابط الترخيص، وحدود المسؤولية.
ومن ثم، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى ما ستتضمنه اللائحة التنفيذية من معايير وضوابط، إذ بها يكتمل الإطار التشريعي، وتتضح معالم التطبيق العملي، ويتأكد مدى قدرة هذا القانون على تحقيق غايته في خلق بيئة رقمية مستقرة وجاذبة للاستثمار، دون إخلال بحماية المستهلك وضمان المشروعية.
عبدالله العسعوسي
محامٍ مقيد أمام محكمتي التمييز والدستورية
عبدالله العسعوسي محامٍ متخصص في المسائل القانونية والتنظيمية المرتبطة بالتجارة الرقمية والامتثال المؤسسي. يشغل منصب شريك مدير في مجموعة الإمتثال القانونية، ويركز في عمله على الأطر القانونية الناظمة للاقتصاد الرقمي والمعاملات التجارية الحديثة.