عندما تبدأ الحرب التجارية بين بلدين أو أكثر، لا يستطيع أحد التكهن بالأسباب الحقيقية لها، أو من سيكون الفائز فيها. فقد يظن من يبدأ هذه الحرب بأنه سيكون الرابح، لكن النتائج قد تكون عكسية!وهذا الوصف قد ينطبق على الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فور توليه السلطة مع عدد من أبرز الاقتصادات في العالم، مثل الصين، والاتحاد الأوروبي، وكندا، والمكسيك، فحتى الآن هناك العديد من التساؤلات حول: دوافع هذه الحروب، وأهدافها، والمنتصرين والخاسرين فيها.
وفي التقرير التالي نستعرض أشهر 7 حروب تجارية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وأسبابها، ونتائجها على الأطراف المختلفة:
1 – حرب الشاي 1773
الطرفان: المستعمرون الأميركيون – بريطانيا العظمى.
الأدوات: الشاي.
كان السبب الرئيسي لها، الضرائب التي فرضتها بريطانيا العظمى في ذلك الوقت على العديد من السلع، مثل الصحف، والطلاء، والزجاج، وحتى الشاي.
وبعد حصول مذبحة بوسطن عام 1770، عندما أطلق جنود بريطانيون النار على بعض الأميركيين وقتلوا 5 منهم، ألغت بريطانيا كل هذه الضرائب باستثناء ضريبة الشاي، مما أدى إلى مقاطعة المستعمرات الأميركية لشركة الهند الشرقية البريطانية وتهريب الشاي.
وفي ليلة “حفل الشاي” الذي نظمته جماعة أبناء الحرية، ذكرت التقارير أن 116 رجلا أميركيا ألقوا في البحر نحو 92 ألف رطل من الشاي تقدر قيمتها بنحو مليون دولار وفقاً لمعايير اليوم.
وكانت النتائج، قيام البرلمان البريطاني والملك جورج الثالث بإصدار قوانين قسرية تضمنت، إغلاق ميناء بوسطن حتى يتم دفع ثمن الشاي، ووقف الانتخابات الحرة في ولاية ماساتشوستس.
وردا على ذلك، أرسلت المستعمرات الأخرى الإمدادات، وحثت على إعلان حق المستعمرات في الحكم بشكل مستقل، وكان من أهم نتائج هذه الحرب بداية حرب الاستقلال الأميركية عن بريطانيا بعد فترة وجيزة في 19 أبريل 1775 وفقا للأرشيف البريطاني الوطني
2- قانون سموت هاولي لعام1930
الأطراف: الولايات المتحدة وكندا وأوروبا ودول أخرى.
الأدوات: آلاف السلع المستوردة.
كان الرئيس الأميركي هربرت هوفر قد بدأ في التعامل مع أزمة المزارع خلال السنوات الأولى من الكساد الكبير، فاقترح فرض تعريفات جمركية على الواردات الزراعية من الدول الأخرى.ونتيجة لهذا الطلب، عرض السيناتوران ريد سموت، وويليس سي هاولي، تشريعهما الخاص بالضرائب والتعريفات الجمركية على الدول المعنية.
وردت الدول الأخرى بفرض تعريفات جمركية على الصادرات الأميركية، مما أضاف المزيد من الضغوط على الاقتصاد المدمر بالفعل.
وكانت النتائج، أن اعتبر الكثيرون أن قانون سموت هاولي كان كارثة، وأدى إلى ردود فعل انتقامية من دول أخرى، وعرقل التعافي الاقتصادي خلال فترة الكساد.
وبفضل فشل قانون سموت هاولي إلى حد كبير، خسر هوفر الانتخابات التالية أمام فرانكلين روزفلت (تم إقصاء سموت وهاولي كذلك) وحل قانون روزفلت لاتفاقيات التجارة المتبادلة لعام 1934 محل قانون سموت هاولي، مما سمح للرئيس بالتفاوض على تخفيض التعريفات الجمركية مع الدول المشاركة في الحرب بما فيها كندا
3- حرب الدجاج1962
الأطراف: الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا الغربية
.الأدوات: الدجاج والشاحنات وسلع أخرى.
مع صعود تربية الدجاج الصناعي المنتج بكميات كبيرة في أميركا، استجاب العالم بشراء الدواجن الأميركية الأرخص، وارتفعت واردات الدجاج في أوروبا، مما أدى لكساد صناعة الدجاج الأوروبية.
ولم يرق هذا لفرنسا وألمانيا الغربية وعدد من الدول الأوروبية، فبدأت حرب الدجاج منتصف عام 1962 عندما رفعت الدول الأعضاء الست في السوق المشتركة (فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) التعريفة الجمركية الخارجية المشتركة على الدواجن.
وأدت الضرائب الأوروبية الجديدة إلى خسائر كبيرة في صناعة الدواجن الأميركية.
ومع تزايد الغضب، ردت الولايات المتحدة بفرض ضريبة بنسبة 25% على “الشاحنات الخفيفة”، بما في ذلك حافلات فولكس فاغن، ونشا البطاطس، والديكسترين.وكانت النتائج، تضرر صناعة السيارات في أوروبا، التي لا تزال مفروضة على الشاحنات الخفيفة
. 4 – حروب الأخشاب1982
الطرفان: الولايات المتحدة – كندا.
الأدوات: الأخشاب اللينة .تحصد كندا الأخشاب من الأراضي العامة أي غير المملوكة لأحد، وتحدد الحكومة أسعار السوق.
أما الولايات المتحدة فتحصد الأخشاب في الغالب من الأراضي الخاصة، حيث يحدد السوق الأسعار.
وعام 1982، زعمت الولايات المتحدة أن كندا تدعم الأخشاب اللينة (مثل أشجار الصنوبر والأرز والتنوب) بشكل غير عادل، مما أدى إلى سنوات من النزاعات واستمرار فرض التعريفات والرسوم الجمركية على الأخشاب الكندية.وكانت النتائج، دفع كندا مئات الملايين من الدولارات رسوما جمركية على الأخشاب اللينة، كما واجه المستهلكون الأميركيون كذلك أسعارا قياسية للأخشاب مع ازدهار بناء المنازل
. وفقا لمؤسسة “راندوم ليننقز للنشر” ارتفعت كلفة الأخشاب الكندية بنحو 40% بحلول عام 2018 على المستهلكين الأميركيين
.5- الحرب التجارية مع اليابان عام1987
الطرفان: الولايات المتحدة – اليابان.
الأدوات: السيارات، والإلكترونيات، والدراجات النارية.
في ثمانينيات القرن العشرين، كانت اليابان بمثابة الشر الأكبر، وكان اقتصادها مزدهراً، واحتل المركز الثاني بين أكبر اقتصادات العالم، وكان كثيرون في الولايات المتحدة يخشون أن يتصدر. وعام 1987، ضاعف الرئيس رونالد ريغان أسعار الواردات من أجهزة الحاسوب والأدوات الكهربائية وأجهزة التلفاز اليابانية بقيمة 300 مليون دولار.
مؤكدأ أن الرسوم الجمركية المفروضة كانت ردا على فشل اليابان في الامتثال لاتفاق يقضي بأن تسمح البلاد بمزيد من الواردات الأميركية إلى أسواقها وتتوقف عن تسعير رقائق الحاسوب الأميركية شبه الموصلة بأقل من قيمتها الحقيقية، كما خضعت السيارات اليابانية كذلك لرسوم جمركية مرتفعة.
أما عن النتائج، فقد اختارت اليابان عدم الرد، وقررت الحكومة عدم اتخاذ أي تدابير انتقامية على الفور. وعلى الرغم من أن هذه الرسوم ساهمت في انخفاض صادرات السيارات اليابانية بنسبة 3%، إلا أنها لم تبطئ العجز التجاري للولايات المتحدة،، ودفع المستهلكون الأميركيون ما يقدر بنحو 53 مليار دولار إضافية بسبب الرسوم الجمركية على الواردات
.6- حرب الموز عام1993
الأطراف: الولايات المتحدة، أوروبا، أميركا اللاتينية.
الأدوات: الموز والسلع الفاخرة الأوروبية.
لا يزرع الموز بكثرة في الولايات المتحدة باستثناء ولايتي هاواي وفلوريدا، لكن تملك العديد من الشركات الأميركية مزارع موز في أميركا اللاتينية.
وقد اشتكت الولايات المتحدة عام 1993 عندما فرضت أوروبا تعريفات جمركية عالية على الفاكهة القادمة من أميركا اللاتينية حتى تتمكن مستعمراتها السابقة في منطقة الكاريبي من الحصول على ميزة بالسوق.
ورداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية على سلع، مثل حقائب اليد الفرنسية والمفروشات البريطانية ولحوم الخنزير الدانماركية.
وكانت النتائج أنه بعد تقديم 8 شكاوى إلى منظمة التجارة العالمية، وافق الاتحاد الأوروبي عام 2009 على تخفيف التعريفات الجمركية تدريجيًا. وعام 2012، انتهت حرب الموز أخيرا
.7- حرب الصلب لعام2002
الطرفان: الولايات المتحدة وأوروبا.
الأدوات: الفولاذ والبرتقال.
في محاولة لتعزيز صناعة الصلب المتدهورة في أميركا، فرض الرئيس جورج دبليو بوش تعريفات جمركية مؤقتة تتراوح بين 8% و30% على واردات الصلب.
وتم إعفاء كندا والمكسيك بسبب قضايا اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، لكن الاتحاد الأوروبي رد بسرعة بفرض تعريفات جمركية على البرتقال من فلوريدا والسيارات الأميركية وغيرها من السلع.
كما تم تقديم شكوى ضد الولايات المتحدة لمنظمة التجارة العالمية التي وجدت أن الولايات المتحدة تنتهك التزاماتها بمعدلات التعريفات الجمركية، وهو ما أدى لإنهاء بوش التعريفات الجمركية في غضون 18 شهرا، وذلك قبل فترة السنوات الثلاث المخطط لها سابقا.
وكان من نتائج هذه الحرب ارتفاع أسعار الصلب، وخسارة ما يقرب من 200 ألف وظيفة في قطاع استهلاك الصلب، وفقا لمؤسسة “تاكس فاونديشن”.·
الخلاصة:يلاحظ من حروب أميركا التجارية عبر التاريخ، أنها أدت إلى حدوث نتائج عكسية في الغالب، من فقدان الوظائف إلى تباطؤ الاقتصاد، فضلا عن تأثيراتها السلبية الكبرى على التجارة والاقتصاد العالمي، ولا يتوقع أن تؤدي حروب ترامب الحالية لنتائج مغايرة وفقا لعدد كبير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين عبر العالم —




