• نسخة 2023 من البطولة سجلت أكثر من ملياري مشاهد حول العالم
• المشاهدات الرقمية عبر المنصات ارتفعت بنسبة 657%
• الرعاة يتعاملون مع البطولة كمدخل للوصول إلى اقتصاد أفريقيا المُقدر بـ 3 تريليونات دولار
قبل عقد واحد فقط، كانت كأس الأمم الأفريقية تُقدَّم بوصفها حدثًا رياضيًا يخص القارة وحدها، تُتابعه الجماهير بحماسة. اليوم تغيّر المشهد تمامًا، إذ تحولت البطولة، التي تُقام كل عامين، إلى منتج تجاري ضخم يتجاوز حدود أفريقيا، ويدرّ أرباحًا هائلة من حقوق البث والإعلانات والرعاية، ويجذب انتباه مؤسسات إعلامية واستثمارية عالمية تتابع أرقامه كما تتابع بطولات أوروبا وأميركا اللاتينية.
أكثر من ملياري مشاهد حول العالم
بحسب تصريحات رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF)ورئيس نادي ماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي، باتريس موتسيبي، سجلت نسخة عام 2023 من كأس الأمم الأفريقية، والتي أُقيمت في ساحل العاج، أكثر من ملياري مشاهد حول العالم، في حين أشار تقرير من موقع iSport Connect إلى تجاوز المشاهدات الرقمية عبر المنصات الإلكترونية 2.2 مليار مشاهدة، بزيادة قدرها 657% مقارنة بالنسخة سابقة التي سجلت 350 مليون مشاهدة.
صفقات مع شبكات بث عالمية عملاقة
ورغم ضخامة الأرقام، هذه ليست مفاجأة في ضوء التوسع الكبير الذي شهده سوق البث الرياضي العالمي، إذ أعلن الاتحاد الأفريقي أنه وقع أكثر من عشرين صفقة دولية جديدة تخص النسخة القادمة من البطولة مع شبكات بث خارج أفريقيا والشرق الأوسط، وشملت أسماء عملاقة مثل Sky في المملكة المتحدة، وSportItalia في إيطاليا، وZiggo في هولندا، وخدمة البث المباشر LaLiga+ في إسبانيا. وهذا التوسع يعكس طموح الاتحاد الأفريقي في إعادة تعريف البطولة، لا كمجرد منافسة رياضية، بل كمنصة تجارية كاملة تتقاطع فيها الرياضة مع الاقتصاد والإعلام والتقنية.
قفزة في الجوائز المالية
وقد حصدت البطولة ثمار هذا التوسع بأشكال مختلفة، وأبرزها الجوائز المالية، إذ أعلن الاتحاد الأفريقي في يناير 2024 رفع الجوائز المالية لنسخة البطولة السابقة في ساحل العاج بنسبة 40%، ليحصل البطل على 7 ملايين دولار، مقابل 4 ملايين للوصيف و2.5 مليون لبلوغ نصف النهائي. وتُعد هذه الأرقام قفزة نوعية قياسًا بالسنوات الماضية حين لم تتجاوز جائزة البطل ثلاثة ملايين دولار، ما يؤكد أن الاتحاد بات يتعامل مع البطولة كمنتج ذي قيمة سوقية حقيقية لا تقل عن نظرائها في أوروبا أو آسيا.
اقتصاد بقيمة 3 تريليونات دولار
وفي الوقت الذي ترى فيه الاتحادات الوطنية البطولة كأداة يمكن استغلالها لتطوير البنية التحتية، بدأ الرعاة العالميون يتعاملون مع كأس الأمم كمدخل للوصول إلى اقتصاد أفريقيا الذي تُقدر قيمته بـ 3 تريليونات دولار، وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي المنشورة العام الماضي، إلى جانب 1.4 مليار نسمة بنسبة شباب تتجاوز 60%. هذه التركيبة الديموغرافية الضخمة تجعل القارة ساحة مثالية لنمو صناعة الرياضة والترفيه خلال العقد المقبل.
بين الطموح والعائدات المحدودة
ومع ذلك، تبقى البطولة الأهم على مستوى المنتخبات في أفريقيا ضعيفة على مستوى القيمة والإيرادات والانتشار العالمي الذي تتمتع به البطولات الأوروبية أو الأميركية الكبرى، وفي ذلك يحاول تقرير من صحيفة Irish Examiner الإجابة على سؤال أُثير خلال الآونة الأخيرة حول “كيف منعت بطولة الأمم الأفريقية جناح نادي ليفربول الإنجليزي وقائد المنتخب المصري محمد صلاح من الفوز بجائزة الكرة الذهبية”، موضحًا الفارق الشاسع بين بطولة الأمم الأفريقية والبطولات من نفس المستوى مثل أمم أوروبا.
مقارنة غير مع متكافئة مع بطولة اليورو
على مستوى الإيرادات، أشار التقرير إلى أن النسخة السابقة من الأمم الأفريقية حققت 109 مليون دولار، في حين حققت بطولة اليورو 2.6 مليار دولار. ويظهر نفس الفارق الضخم على مستوى الجوائز، فبالرغم من ارتفاع جائزة بطل الأمم الأفريقية إلى 7 ملايين دولار، حصلت المنتخبات الأوروبية المشاركة في بطولة اليورو على 10.7 مليون دولار قبل صفارة البداية. وفي ختام المسابقة، حصدت إسبانيا، بطلة النسخة السابقة على نحو 33 مليون دولار، بعد الفوز على انجلترا في النهائي.
أسباب الفارق الشاسع
ويرجع هذا الفارق الشاسع إلى أسباب عدة، أبرزها أن البنية التحتية للبث الرقمي داخل القارة ما زالت متفاوتة، وبعض الدول تفتقر إلى شبكات مستقرة تتيح تجربة مشاهدة عالية الجودة. لكن هذه الفجوات، رغم وضوحها، تمثل أيضًا فرصًا استثمارية في مجالات التكنولوجيا والإنتاج الإعلامي وشبكات الاتصالات، وهي القطاعات التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي عالميًا.
مرآة لاقتصاد قارة تتحرك بثقة نحو المستقبل
الأمر المؤكد أن كأس الأمم الأفريقية لم تعد حدثًا دوريًا كل عامين فحسب، بل قصة اقتصادية متنامية تلامس السياسة والسياحة والتجارة. البطولة أصبحت مرآة لاقتصاد قارة تتحرك بثقة نحو الاستفادة من ثروتها البشرية والإبداعية. ومع كل دورة جديدة، يتضح أن “كرة القدم الأفريقية” لم تعد تبحث عن الاعتراف، بل عن نصيبها العادل من سوق الرياضة العالمية.




