هل تقود صفقة «التلغراف» اللورد روذرمير لتجاوز نفوذ مردوخ؟

هل تقود صفقة «التلغراف» اللورد روذرمير لتجاوز نفوذ مردوخ؟

• الصفقة تعيد تشكيل خريطة النفوذ الإعلامي في بريطانيا 

• رغبة روذرمير في توسيع نفوذ مجموعته الإعلامية تبدو اليوم أكثر اشتعالاً 

• تقييمات تشكك في قيمة الصفقة معتبرة السعر العادل حوالي 350 مليون جنيه إسترليني

• السؤال الذي يطرح نفسه داخل التلغراف.. من أين سيؤمن روذرمير مبلغ الـ 500 مليون إسترليني؟

• الصفقة ستخضع لتدقيق شديد من الجهات التنظيمية وسط مخاوف تتعلق بالمنافسة وتعددية الإعلام

• الشركة تشدد على أن الصفقة ستتم دون أي تمويل من دولة أجنبية

في عالم تتحرك فيه الصفقات الإعلامية بسرعة الضوء، كان على كثير من التنفيذيين أن يطاردوا الفرص في نافذة زمنية لا تتجاوز سنوات معدودة، لكن عائلة روذرمير، الحاكمة لإمبراطورية إعلامية عمرها أكثر من قرن، لطالما فضلت التفكير بطريقة مختلفة؛ من منظور الأجيال، لا من منظور الدورات المالية.

انتظار الفرصة.. ثم الانقضاض

عندما حاول جوناثان هارولد إزموند فير هارمسورث، اللورد روذرمير الرابع، الاستحواذ على صحيفتي التلغراف وصنداي تلغراف في صيف 2004، أخفق في إتمام الصفقة. يومها، كان خصمه اللدود روبرت مردوخ يتنفس الصعداء؛ فاندماج عناوين “ديلي ميل”و”تلغراف” كان سيخلق تكتلاً يمينياً قادراً على منافسة النفوذ السياسي الهائل لإمبراطورية مردوخ، المكونة حينها من “التايمز”و”صنداي تايمز” و”ذا صن” و”نيوز أوف ذي وورلد”.

لكن روذرمير لم يكن رجلاً يتعامل مع الزمن بمنطق السرعة. على العكس، بنبرة هادئة ورؤية طويلة المدى، انتظر عشرين عاماً ليعود إلى الباب ذاته. هذه المرة، بعد انسحاب مالكين محتملين بسبب تمرد داخلي في التلغراف، رأى الفرصة سانحة، «فانقض”. وهكذا بدأ السؤال الأكبر في لندن، هل يصبح اللورد روذرمير أقوى قطب إعلامي في بريطانيا، متجاوزاً حتى روبرت مردوخ؟!

ميراث عائلي.. وصبي يتربى في مطابع الجرائد

داخل مكتب اللورد روذرمير، يتصدر جداراً طويلاً بورتريه ضخم لعمه الأكبر ألفريد هارمسورث، مؤسس ديلي ميل عام 1896. وفي ذاكرته، مشاهد طفولة مبكرة مع والده في قاعات الطباعة المعدنية، حين كانت الصحافة تصنع برائحة الحبر والنار.

كان روذرمير الشاب حاضراً في نقاشات البيت حول إطلاق “ميل أون صنداي” عام 1982، وتوترات المعركة الشرسة عام 1987 بين”لندن ديلي نيوز” و”إيفنينغ ستاندرد”، التي انتهت بانتصار عائلته، ثم بيع الصحيفة لاحقاً.

اختبر العمل الصحفي بنفسه

لكن القدر تدخل سريعاً، حين توفي والده بنوبة قلبية عام 1998، لم يمض سوى 20 دقيقة على عودته إلى المنزل حتى بدأ في تلقي الاتصالات التي وضعته رسمياً على مقعد رئاسة مجموعة ديلي ميل، وجنرال تراست (DMGT)، وهو لا يزال في الثلاثين.

بعد 20 عاماً.. الحلم القديم يعود للحياة

الآن، وقد عاد ملف التلغراف إلى الواجهة في 2023، بدا أن روذرمير قرر اغتنام «اللحظة التاريخية”. يقول محلل الإعلام أليكس دي غروت «اللورد روذرمير لديه عقلية رجل أعمال، لكنه ليس تقنياً بحتاً. هو ببساطة شغوف بالصحافة. داخلياً، كانوا يريدون منذ عقود توحيد المؤسسات التي تخدم جمهور الوسط – اليميني»، وفق صحيفة ذا غارديان البريطانية.

السعر العادل للصفقة

لكن الحماسة وحدها لا تكفي لإتمام صفقة تتجاوز 500 مليون جنيه إسترليني، وهو تقييم يشكك فيه البعض، معتبرين السعر العادل أقرب إلى 350 مليون، كما أن الصفقة ستخضع لتدقيق شديد من الجهات التنظيمية، وسط مخاوف تتعلق بالمنافسة وتعددية الإعلام.ومع ذلك، فإن رغبة روذرمير في توسيع نفوذ مجموعته الإعلامية تبدو اليوم أكثر اشتعالاً من أي وقت مضى.

رجل يفضّل الظل.. لكنه يبني قوة إعلامية هائلة

رغم نفوذه، لطالما تجنب روذرمير الأضواء، مفضلاً ترك صحفه تتخذ مواقف هجومية تتعارض أحياناً مع ميله الشخصي نحو محافظة أكثر ليونة وأقرب لأوروبا.

وتصويره كرجل لا يتدخل في التحرير ليس دعاية علاقات عامة، بل سياسة راسخة يشهد عليها بول داكر، رئيس تحرير ديلي ميل السابق وأحد أكثر الشخصيات نفوذاً في الصحافة البريطانية «لا والده ولا هو تدخلا يوماً في المحتوى. هذه الحرية هي ما جعلتني أرفض عروضاً مغرية من التايمز والتلغراف”. لكن تلك الحرية لم تكن سهلة على روذرمير، الذي كثيراً ما وجد نفسه محرجاً من أعمدة وآراء قد تتصادم مع قناعاته في دوائره الاجتماعية. ومع ذلك، لم يشتك يوماً.

لماذا يريد التلغراف؟

على الرغم من أن ديلي ميل هي «حبه الأول»، فإن روذرمير يرى في التلغراف فرصة استراتيجية لتوسيع النفوذ نحو السوق الأميركية، حيث تقف وول ستريت جورنال شبه منفردة في يمين الوسط. كما يريد الاستفادة من خبرة التلغراف في النموذج القائم على الاشتراكات، مقابل الاعتماد الكبير لديلي ميل على الإعلانات والتوزيع.

والأمر يتجاوز ذلك؛ فابنته تعمل بالفعل صحفية في التلغراف، كما أن رئيس تحرير الصحيفة، كريس إيفانز، هو أحد خريجي مدرسة ديلي ميل.

هل يتغير خط التلغراف السياسي؟

الجواب الأقرب للواقع هو لا. إذ لم يتدخل روذرمير ولا والده يوماً في الخط التحريري، ولا يتوقع أن يبدأ الآن. يقول داكر «التدخل في التحرير هو أسرع طريق لإقالة أي محرر بسبب قسوة السوق. عائلة روذرمير يعرفون ذلك جيداً”. لكن هذا لا يمنع المخاوف السياسية؛ فأي تقارب بين ميل وتلغراف في هذا التوقيت الذي فيه السياسة البريطانية نحو اليمين، يثير قلق حزب العمال والديمقراطيين الليبراليين، الذين يرون في الدمج تعزيزاً لنفوذ وسائل إعلام تميل إلى دعم حزب “ريفروم UK”، وتبني خطاباته بشأن الهجرة وقضايا «الاستيقاظ الثقافي”.

قيمة الصفقة.. ومن يدفع؟

يبقى السؤال الأكثر حساسية داخل التلغراف، من أين سيؤمن روذرمير مبلغ الـ 500 مليون جنيه إسترليني؟ فمجموعة ديلي ميل وجنرال تراست (DMGT) لا تملك هذا المبلغ نقداً، ومحاولة سابقة عام 2023 تضمنت دعماً تمويلياً من قطر. كما أن روذرمير يتمتع بعلاقات قوية في الشرق الأوسط، وظهر مؤخراً إلى جانب دونالد ترامب خلال زيارة إلى الدوحة في مايو الماضي.

مع ذلك، تشدد الشركة اليوم على أن الصفقة ستتم دون أي تمويل من دولة أجنبية، امتثالاً للقوانين الجديدة التي تقيد الملكية الإعلامية الأجنبية. وتؤكد مصادر مطلعة أن الخطة المطروحة هي امتلاك «التلغراف» بالكامل، لا قيادة تحالف أو كونسورتيوم.

هل هناك صفقات لجرائد أخرى؟

يملك اللورد روذرمير ارتباطاً عاطفياً بمترو، الجريدة المجانية التي كانت فكرة والده. لكنها شهدت تقليصات مؤخراً، ما أثار تكهنات حول بيعها. كما خضعت ذا آي لإعادة هيكلة، ومع ذلك، يقول مقربون إن المجموعة واثقة بقدرتها على إتمام الصفقة دون بيع أصول أخرى.

وعد روذرمير بإبقاء التلغراف وديلي ميل منفصلتين تحريرياً. لكن الصحفيين داخل المؤسستين قلقون من احتمالات الدمج التنظيمي وخفض التكاليف، وإن كان محللو الإعلام يرون أن «الوفورات الحقيقية» ستكون في البنية التحتية وليس غرف الأخبار.

المستقبل.. الجيل التالي من السلالة الإعلامية

يستعد فير، الابن الأكبر لروذرمير البالغ 31 عاماً، لوراثة الإمبراطورية، ويشغل بالفعل منصباً قيادياً داخل DMGT. ويبقى السؤال، هل ستشمل مسؤوليته قيادة التلغراف أيضاً؟ أم ستظل هذه الصفحة غير مكتوبة في ملحمة عائلة روذرمير الإعلامية؟

author avatar
economic_contributor

اكتشف المزيد