•أمن الطاقة في حالة حصار شامل لا مخرج منه إلا بفك قيود الجيوسياسة عن شريان الحياة الوحيد
استيقظ العالم على نهار جديد من استنزاف الوقت والطاقة، فالنفط يجد نفسه حبيساً خلف مضيق هرمز، وسط اعتداء إيراني سافر على أمن الملاحة العالمي لتتحول المياه الإقليمية إلى ساحة احتجاز قسري لإمدادات النفط العالمية.
ويهيمن على المشهد الاستنزاف الممنهج لعنصر الوقت، والضغط المتواصل على أعصاب الأسواق التي تعاني من حبس تدفقاتها الحيوية خلف خطوط النار، ومع كل ساعة تمر والملاحة مكبلة، تتآكل القدرة على المناورة وتستنزف الدول مخزوناتها في محاولة لتعويض هذا الاحتباس القسري للطاقة، الحقيقة الكبرى التي تفرض نفسها هي أن العالم بات رهينة لممر مخنوق، حيث تسود لغة الاستنزاف الطويل على أي حلول فورية، ما يجعل أمن الطاقة في حالة حصار شامل لا مخرج منه إلا بفك قيود الجيوسياسة عن شريان الحياة الوحيد.
وشهدت الساعات الماضية فجر الثلاثاء 5 مايو 2026 تصريحات لمسؤولين أميركيين نقلتها أكسيوس أن ضربة محتملة جديدة لإيران ربما في الطريق، فيما أكدت واشنطن تدمير 7 قوارب إيرانية حاولت اعتراض الملاحة.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إن الجيش الأميركي تصدى لهجمات إيرانية أثناء مرافقة سفينتين تحملان العلم الأميركي عبر الممر.
جاءت هذه التطورات في وقت تسعى الولايات المتحدة لفتح ممر في هرمز للسفن العالقة، ما يثير الشكوك حول صمود وقف إطلاق النار القائم منذ أربعة أسابيع بين واشنطن وطهران، بحسب تقرير لشبكة «سي ان ان».
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الحرب قد تستمر من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إضافية.
من المقرر أن يعقد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مؤتمراً صحفياً في البنتاغون لاحقاً يوم الثلاثاء، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.
أسواق الطاقة والنفط
تحركت أسعار الخام في نطاقات واسعة وحادة، حيث حافظ نفط برنت على مستويات قريبة من 114 دولاراً وبالمثل يجري تداول خام غرب تكساس قرب 106 دولارات للبرميل.
وأعرب الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» عن قلقه العميق بشأن سلامة الممرات البحرية رغم وعود ترمب بفتح المضيق، الأسواق تعيش حالة من الترقب لنتائج «عملية الغضب الملحمي» الأميركية ومدى قدرتها على تأمين تدفق الإمدادات عبر هرمز.
عوائد السندات والديون الأميركية
قفزت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً فوق مستوى 5% لأول مرة منذ يوليو الماضي، مدفوعة بمخاوف التضخم الجيوسياسي، وأعلنت وزارة الخزانة عن حاجتها لاقتراض مبالغ ضخمة تصل إلى 671 مليار دولار في الربع الثالث من العام الجاري، هذا الارتفاع في العوائد وضع مؤشرات وول ستريت تحت ضغط شديد، ما دفع المستثمرين لإعادة تقييم شهية المخاطرة.
الذهب والفضة.. ملاذات ملتهبة
سجلت المعادن الثمينة مستويات قياسية نتيجة التوترات العسكرية، حيث لامس الذهب الفوري مستويات 4540 دولاراً للأونصة بزيادة يومية ملحوظة، كما قفزت الفضة لتتجاوز 73 دولاراً للأونصة، مستفيدة من الهروب الجماعي من الأصول الخطرة والعملات الورقية، وعلى الرغم من ارتفاع العوائد الذي يضغط عادة على الذهب، فإن «علاوة المخاطر الحربية» هي المحرك الأقوى حالياً.
فيما تماسكت بيتكوين قرب مستوى 80 ألف دولار مع احتفاظ العملات الست الكبرى بالتداول قرب مستوياتها المسجلة أمس.
تحذيرات الاتحاد الأوروبي من «الركود التضخمي»
حذر مفوض الشؤون الاقتصادية بالاتحاد الأوروبي من أن النزاع العسكري في إيران يضع اقتصاد التكتل أمام صدمة «ركود تضخمي» وشيكة، وتدرس الدول الأعضاء فرض ضرائب استثنائية على «الأرباح غير المتوقعة» لشركات الطاقة لمواجهة الارتفاع الجنوني في الأسعار، الموقف الأوروبي يزداد تعقيداً مع تهديدات أميركية بفرض تعريفات جمركية إضافية، ما قد يشعل حرباً تجارية موازية.
الفيدرالي الأميركي وسياسة «الانتظار»
من جهته، أكد «ويليامز» عضو مجلس الفيدرالي الأميركي أنه لا حاجة حالياً للنظر في رفع أسعار الفائدة رغم ضغوط الطاقة والتعريفات، فيما يرى البنك المركزي أن التضخم الحالي مدفوع بعوامل خارجية (عرض) وليس بطلب محلي منفلت، ما يبقي التوقعات طويلة الأمد نحو الخفض، ومع ذلك تبقى الأسواق حذرة من أي تغيير في هذه النبرة إذا استمرت أسعار النفط فوق 120 دولاراً.
أزمة الروبية الإندونيسية والأسواق الناشئة
تعرضت العملات الآسيوية لهزة عنيفة، حيث هوت الروبية الإندونيسية إلى أدنى مستوى تاريخي لها عند 17390 مقابل الدولار الأميركي، هذا الانهيار يعكس حالة الذعر في الأسواق الناشئة نتيجة قوة الدولار وارتفاع تكاليف استيراد الطاقة عالمياً، وتتزايد التوقعات بأن تضطر البنوك المركزية في آسيا للتدخل العنيف لحماية عملاتها من الانهيار التام أمام العملة الأميركية.
التضخم الصيني وتحولات سلاسل التوريد
أظهرت البيانات الصينية ارتفاع مؤشر أسعار الجملة بنسبة 20.2% على أساس سنوي، ما ينذر بموجة تضخم عالمية جديدة عابرة للحدود، وفي سياق تقني تخطط شركة جي اس اراليابانية لإنشاء أول مصنع لمواد أشباه الموصلات في تايوان لتأمين احتياجات شركة تي اس ام سي، هذا التحول يعكس رغبة الشركات الكبرى في بناء سلاسل توريد بعيدة عن مناطق الصراع المباشر.
ترامب والتعريفات الجمركية المتشددة
دافع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سياساته التجارية، واصفاً التعريفات الجمركية بأنها «أكثر خضوعاً للاختبار» وجعلت الولايات المتحدة بلداً ثرياً للغاية، وأشار إلى أن واشنطن اتخذت إجراءات جمركية إضافية ستدخل حيز التنفيذ في منتصف مايو الجاري، ما يزيد من تعقيد المشهد التجاري العالمي، الأسواق تترقب الآن ردود الأفعال الانتقامية من الشركاء التجاريين الرئيسيين مثل الصين والاتحاد الأوروبي.
تسويات «ماسك» وتحقيقات «البورصات الأميركية»
على الصعيد المؤسسي، وافق إيلون ماسك على دفع غرامة بقيمة 1.5 مليون دولار لتسوية قضية تضليل مساهمي «تويتر» التي تعود لعام 2022، وفي الوقت ذاته بدأت هيئة الأوراق المالية والبورصات تحقيقات واسعة في شبهات احتيال بقطاع الائتمان الخاص، هذه التحركات الرقابية تأتي في وقت يسعى فيه كبار المستثمرين لتقليص الانكشاف على الأصول الأميركية المتذبذبة.




