في إحدى الجلسات التي جمعتني بصديقي رجل الأعمالطلال العجمي وهو ممن أحب الاستماع إلى رؤيتهمالاقتصادية سألته ..
“لو طلبت منك أن تختار للكويت أصلا واحدا وتحميه أكثرمن غيره.. ماذا تختار؟”
توقعت أن يقول النفط.. أو أصول الدولة..
أو استثماراتها في الخارج.. لكنه فاجأني بكلمة واحدة:
“الوقت” ..
قلت باستغراب : الوقت؟
قال: نعم.. فإذا خسرت الكويت مليار دينار تستطيع أنتصنع مليارا غيره..
وإذا هبط النفط سيرتفع يوما..
وإذا تعثر مشروع يمكن إصلاحه..
ثم نظر إلي وقال بعينين خبيرتين:
لكن قل لي.. من أين تشتري لوطن سنة أخرى من عمره؟
كان سؤالا قصيرا.. لكنه بقي طويلا في رأسي..
أعترف أن ذلك الحديث أثر في طريقة تفكيري وفتح أماميأفقا آخر للنظر إلى مفهوم الثروة..
فنحن اعتدنا أن نقيس الثروة بما يمكن عده..
كم برميلا تحت الأرض؟
كم مليارا في الخارج؟
كم أصلا تملك الدولة؟
أما هو فكان يتحدث عن ثروة لا تظهر في أي ميزانية..
ولا تدخل في حساب الاحتياطي..
ولا يستطيع صندوق سيادي أن يدخرها للأجيال القادمة..
كان يتحدث عن السنوات التي بقيت لنا كي نصبح ما نريدأن نكونه..
فالمال يمنح الدولة القدرة على صناعة المستقبل أما الوقتفيمنحها الفرصة لفعل ذلك..
وحين أنظر اليوم إلى الكويت 2035.. إلى النفط والتعليموالمشاريع والقطاع الخاص والتكنولوجيا والذكاءالاصطناعي.. أجد أن السؤال الذي يستحق أن نسأله لميعد فقط كم تملك الكويت .. هناك سؤال ربما أهم وهو..
كم بقي لها من الوقت لتحول ما تملكه إلى ما تريد أنتصبح عليه؟
فالكويت نعم تستطيع تعويض مال خسرته.. وتستطيعاستخراج نفط انتظر ملايين السنين تحت أرضها..
وتستطيع إعادة مشروع تعثر.. أما السنة التي تمضي منعمرها.. فلا خزينة تحفظها.. ولا صندوق سيادييستثمرها.. ولا ميزانية تستطيع شراءها مرة أخرى
ولهذا ربما يكون أغلى ما تملكه الكويت اليوم ليس النفطالذي بقي لها.. إنما الوقت الذي بقي أمامها.
للوقت ميزانية لا نراها
نحن بارعون في حساب تكلفة الأشياء..
نعرف كم يكلف الطريق.. والمطار.. والمستشفى..
ومحطة الكهرباء.. لكن هناك رقما نادرا ما يظهر فيالميزانية وهو..
كم يكلفنا أن يأتي كل ذلك متأخرا؟
إذا كان مشروعا سيخلق وظائف ويجذب استثمارات ويخدمشركات ويضيف نشاطا إلى الاقتصاد ثم تأخر ثلاثسنوات.. فالثلاث سنوات لم تكن مجانا..
هناك وظائف كان يمكن أن تبدأ.. وشركات كان يمكن أنتنمو.. وخبرات كان يمكن أن تتراكم.. وأموال كان يمكن أنتدور.. واستثمارات ربما اختارت مكانا آخر..
هذه هي كلفة الفرصة التي يعرفها الاقتصاديون جيدافالوقت في الاقتصاد ليس عقارب تمشي على ساعة..
وإنما الوقت اقتصاد كان يمكن أن يحدث.
•الساعة واحدة.. والحصيلة مختلفة
الأغرب في الوقت أنه عادل إلى حد القسوة.. لا يمنح دولةساعة إضافية لأن لديها نفطا أكثر.. ولا يبطئ عقاربه لأنخزائنها ممتلئة..
السنة التي تمر على الكويت هي السنة نفسها التي تمرعلى جيرانها..
لكن ما تتركه السنة خلفها ليس واحدا..
وهنا تكفي نظرة إلى جيراننا لنعرف كيف تستطيع السنواتأن تتحول إلى أرقام..
في الإمارات ووفقا للمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاءالإماراتي أصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل 76.6% منالناتج المحلي الحقيقي في 2025، بعدما بلغ الناتج غيرالنفطي نحو 1.5 تريليون درهم ونما 6.8% خلال عامواحد..
وفي السعودية وفقا للتقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 للعام الفائت وصل إسهام القطاع الخاص في الناتجالمحلي إلى 51% في 2025 مقارنة بخط أساس بلغ 44%،فيما ارتفع الناتج الحقيقي غير النفطي من نحو 598 ملياردولار عند خط أساس الرؤية إلى قرابة 892 مليار دولار..
وماذا عن الكويت؟
هنا تصبح الصورة أكثر دلالة.. فبحسب أحدث تقديراتصندوق النقد الدولي فقد نما الاقتصاد غير النفطيالكويتي 2.7% في 2025 ويتوقع أن يرتفع النمو إلى 3% في 2026 بينما يؤكد الصندوق أن الدولة ما زالت تملكمعظم الأصول المنتجة وتوظف تقريبا جميع الكويتيين، وتقودالمشروعات الكبرى .. وهذا تحديدا ما يجعل المقارنة مهمة.. فنحن لا نقارن ثلاث دول متشابهة في كل شيء ولا نقول إنعلى الكويت أن تنسخ تجربة السعودية أو الإمارات نحننقارن ما استطاعت سنوات التحول الاقتصادي أن تصنعه.
الإمارات دفعت اقتصادها غير النفطي حتى أصبح يمثلثلاثة أرباع اقتصادها.. والسعودية رفعت حضور القطاعالخاص ووسعت اقتصادها غير النفطي.. والكويت بدأتاليوم مرحلة إصلاح وتسارع استثماري يقول صندوق النقدإنها تمثل انتقالا من نموذج شديد الاعتماد على النفط إلىاقتصاد أكثر ديناميكية وتنوعا .. ومن هنا تعود بنا الأرقامإلى الساعة.. فالفرق بين الاقتصادات لا تصنعه المواردوحدها.. ولكن تصنعه أيضا السنوات التي مرت على هذهالموارد وهي تعمل .. فالوقت مادة خام مثل النفط تماما.. لكن بينهما فارقا جوهريا وهو
أن برميل النفط الذي لا تستخرجه اليوم يبقى لك تحتالأرض.. أما ساعة التنمية التي لا تستثمرها اليوم فلا تبقىلك إلى الغد.
حين تدخل السرعة في حساب الاقتصاد
اللافت أن أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي عن الكويتيقترب كثيرا من هذه الفكرة.
فالصندوق يقول إن الكويت بدأت بالفعل الانتقال مناقتصاد يعتمد بشدة على النفط إلى اقتصاد أكثرديناميكية وتنوعا وإن زخم الإصلاحات المالية والهيكليةيتصاعد.
لكن التقرير نفسه يقول شيئا يستحق أن نتوقف عنده..
الكويت تأخرت مقارنة بدول خليجية أخرى في تنفيذالإصلاحات الهيكلية والاستثمار في البنية التحتية..
والأكثر دلالة أن الصندوق وضع تغير سرعة الإصلاحاتالهيكلية وتنفيذ مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالتنويعباعتباره الخطر المحلي الرئيسي على التوقعاتالاقتصادية.
تأملوا الكلمة.. السرعة .. فالمسألة لم تعد ماذا نفعل فقط.. المسألة متى نفعله أيضا.
2035 ليست سنة على التقويم
لدينا رؤية اسمها كويت 2035 والسنوات في أسماء الرؤىليست زينة.. إنها موعد مع نتيجة ..والاقتصاد المتنوعيحتاج سنوات حتى يتكون.. والقطاع الخاص يحتاجسنوات حتى يكبر.. والشركة الصغيرة تحتاج سنوات حتىتصبح كبيرة.. والطالب الذي نغير تعليمه اليوم يحتاجسنوات حتى يدخل سوق العمل.. والتشريع الاقتصادييحتاج وقتا حتى يتحول من حبر في الجريدة الرسمية إلىشركة وموظف واستثمار
فالإصلاح الاقتصادي يشبه زراعة شجرة..
يمكنك بالمال أن تشتري أفضل بذرة وأخصب أرض وأحدثنظام للري.. لكنك لا تستطيع أن تدفع للشجرة كي تبلغعشرين عاما غدا .. فبعض الأشياء لا ينقصها المال.. وإنماينقصها أن تبدأ في وقتها.
حتى الإنسان له ساعة
الوقت الذي نتحدث عنه ليس وقت الحكومة والمشاريعوحدهما.. إنه عمر الإنسان الكويتي أيضا .. حين نتأخرفي مواءمة التعليم مع سوق العمل فنحن لا نتعامل مع أرقامطلاب في جداول.. نحن نتعامل مع سنوات من أعمارالبشر.
فالطالب الذي يقضي سنوات في دراسة معرفة لا يجد لهامكانا منتجا في الاقتصاد ثم يحتاج سنوات أخرى لإعادةتأهيله.. دفع من عمره جزءا من فاتورة التأخير ولهذا فإنرأس المال البشري لا يبنى بحجم ما ننفق عليه وحده..
ولكن يبنى أيضا بتوقيت ما نعلمه له .. أن نعلم مهارة قبلأن يحتاجها السوق.. وأن ندرب شابا قبل أن تصبح المهارةفجوة.. وأن نصنع الإنسان للمستقبل قبل أن يصلالمستقبل.
النفط ينتظر.. التكنولوجيا لا تنتظر
جاءت التكنولوجيا وغيرت حتى معنى التأخير..
في الاقتصاد القديم كان بإمكان دولة أن تتأخر ثم تبدأرحلة اللحاق .. أما اليوم وأنت تلحق يتغير الشيء الذيتلحق به .. هناك وظائف تتبدل.. ومهن يعاد تشكيلها.. وشركات تولد.. ونماذج أعمال يعاد اختراعها..
والذكاء الاصطناعي يضغط سنوات من التغيير في مددأقصر
ولذلك فإن أمام الكويت مفارقة تستحق التفكير…
النفط الموجود تحت أرضها يستطيع أن ينتظرها..
أما التكنولوجيا فلن تنتظرها .. وكل سنة نتأخر فيها لا تعنيأننا بقينا سنة في مكاننا.. لأن الآخرين تحركوا خلالها
ولهذا ربما يكون التعريف الأدق للوقت في عالم المنافسةكالتالي ” الوقت ليس ما يمضي عليك.. ولكنه المسافة التييقطعها الآخرون أثناء وقوفك” والوقوف بالتأكيد ليسبصالحنا.
الكويت بدأت تتحرك
الإنصاف يقتضي أن نقول إن الكويت اليوم ليست واقفةعند نقطة البداية..
صندوق النقد يؤكد أن البلاد بدأت تحولا هيكليا وأن زخمالإصلاحات يتزايد بالتوازي مع توسع مرتقب في الاستثمارالعام.
كما يشير الصندوق في تقديراته إلى أن مشاريعالاستثمار العام المعلنة في الإسكان والكهرباء والماء والنقلتعادل تراكميا نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي بين2025 و2030 .. وهذا رقم ضخم.. لكنه يعيدنا إلى فكرتناالأولى..
فحين يكون أمامك هذا الحجم من الاستثمار..
يصبح الوقت نفسه جزءا من العائد على الاستثمار..
المشروع الذي يعمل مبكرا يبدأ في إنتاج أثره مبكرا.. والطريق الذي يفتح مبكرا يوفر الوقت مبكرا.. ومحطةالكهرباء التي تدخل الخدمة مبكرا ترفع القدرة مبكرا.. والإصلاح الذي ينجح اليوم يمنح الإصلاح الذي يليه نقطةبداية أفضل غدا..
فالإصلاح الاقتصادي ليس زر كهرباء نضغطه اليومفتضيء النتيجة غدا.. إنه تراكم .. وكل سنة نكسبها فيالبداية قد نكسب أثرها سنوات في النهاية.
ماذا نورث أبناءنا؟
لطالما تحدثنا في الكويت عن ثروة الأجيال القادمة..
وهو مفهوم عظيم .. لكن ربما حان الوقت لأن نوسع تعريفهذه الثروة..
فالأجيال القادمة لا ترث منا المال وحده.. ترث أيضا الوقتالذي أحسنا استخدامه قبل أن تصل..
حين نبني اليوم تعليما أفضل.. يرثون معرفة
وحين نحسن بيئة الأعمال.. يرثون فرصة
وحين ننجز البنية التحتية.. يرثون اقتصادا أكثر قدرة
وحين نبني قطاعا خاصا قويا.. يرثون اقتصادا يستطيع أنيصنع لهم ثروة جديدة إلى جانب الثروة التي صنعتها لهمالأجيال السابقة..
ولذلك صندوق النقد نفسه يضع العدالة بين الأجيال فيقلب حديثه عن الاستدامة المالية للكويت حيث يقدر الحاجةإلى مسار ضبط مالي تدريجي بنحو 1% من الناتج سنوياعلى مدى العقد المقبل لتعزيز الاستدامة طويلة الأجلوالعدالة بين الأجيال.
لكن العدالة بين الأجيال في رأيي لها وجه آخر أيضا..وهو
ألا نورث أبناءنا أعمالنا المؤجلة .. حتى إذا وصلوا يجدواأمامهم طريقا قطعنا جزءا منه.. بدلا من أن نسلمهمالخريطة ونقول .. ابدأوا من حيث كان يفترض أن نبدأ نحن.
أغلى أصل لا يظهر في دفاتر الدولة
الكويت ليست دولة فقيرة تبحث عن المال كي تبدأ..
وهذه تحديدا ميزتها الكبرى..
لدينا والحمد لله النفط.. ولدينا الأصول.. ولدينا المؤسسات.. ولدينا البشر.. ولدينا اليوم حركة إصلاح واستثمار يمكنالبناء عليها..
ولهذا ربما ينبغي أن يتغير السؤال .. بدلا من أن نسأل..
كم تملك الكويت؟
علينا أن نسأل..
كم تستطيع الكويت أن تنجز بما تملك.. وفي الوقت الذيتملكه؟
فالدول لا تتنافس فقط بحجم ثرواتها.. وإنما تتنافسبالسرعة التي تحول بها ثرواتها إلى حياة أفضل واقتصادأقوى .. والمال الذي نخسره يمكن أن نصنع غيره.. والمشروع الذي يتعثر يمكن أن نعيده..
والنفط الذي لم نستخرجه سيبقى تحت أرضنا..
أما السنة التي تمضي.. فتحمل معها كل الأشياء التي كانيمكن أن نصنعها فيها..
فلا صندوق سياديا يستطيع تخزين الأمس.. ولا برميل نفطيستطيع شراء الغد..
ومن هنا لا يمكن أن أنهي المقال دون العودة للبداياتوحديثي مع صديقي طلال العجمي..
وإلى تلك الكلمة التي فاجأني بها حين سألته عن أغلى ماتملكه الكويت فقال الوقت وإلى سؤاله الذي بقي عالقا فيرأسي “من أين تشتري لوطن سنة أخرى من عمره؟”
لأسأله .. يا صديقي..
إذا كنا نعرف أن الوقت أغلى ما نملك.. فماذا نريد أن نجدفي نهاية 2035 حتى نستطيع أن نقول إننا لم ننفق تسعسنوات من عمر الكويت.. وإنما استثمرناها؟
ربما لن أنتظر منه الإجابة فالجواب ليس مسؤولية فرد..
لأن الإجابة يجب أن يكتبها وطن كامل خلال السنواتالمقبلة.
مهند يوسف




