أفاد صندوق النقد الدولي بأن الاقتصاد السوري بدأ يُظهر بوادر تعافٍ بعد سنوات طويلة من الانكماش، مشيراً إلى أن السلطات السورية تبنّت موقفاً متشدداً على الصعيدين المالي والنقدي رغم التحديات الواسعة التي تقف أمام الاقتصاد. ويأتي هذا التقييم بعد انتهاء زيارة بعثة خبراء الصندوق إلى دمشق، في خطوة تعيد فتح قنوات الحوار بين الطرفين بشأن مستقبل السياسات الاقتصادية والإصلاحات الممكنة في المرحلة المقبلة.
•مناقشات موجهة نحو ضبط التضخم والسياسة النقدية
أوضح صندوق النقد الدولي أنه باشر مناقشات فنية مع الجهات الحكومية في سورية لوضع إطار مناسب للسياسة النقدية، يهدف إلى ضمان انخفاض التضخم واستقراره على المدى المتوسط. ويُعد التحكم في التضخم أولوية بالنسبة لدمشق في ظل استمرار الضغوط على أسعار السلع الأساسية، وتذبذب سعر الصرف، واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية. ويرى الصندوق أن بناء سياسة نقدية واضحة، تتسم بالشفافية وإدارة فعالة للسيولة، سيكون خطوة أساسية في استعادة الثقة وتعزيز استقرار الاقتصاد السوري.
•لقاء الشرع وغورغييفا: دعم التنمية – محور المحادثات
شهدت واشنطن في 9 نوفمبر لقاءً بين الرئيس السوري أحمد الشرع والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، تناول سبل تعزيز التنمية الاقتصادية والتعاون بين سورية والمؤسسات المالية الدولية. وناقش الجانبان فرص تمكين الاقتصاد السوري من الاستفادة من الأدوات والخبرات التي يقدمها الصندوق، بما يتيح دفع عملية التطوير وإعادة الإعمار بطريقة تدريجية وممنهجة. ويأتي الاجتماع في وقت تعمل فيه الحكومة السورية على جذب الدعم الدولي في إطار سعيها لإعادة بناء البنية الاقتصادية والمؤسسات الإنتاجية.
•التحول الاقتصادي محور اهتمام دولي متزايد
قالت غورغييفا إن الاجتماع ركّز على “التحوّل الاقتصادي الذي يحتاج إليه السوريون ويستحقونه، والذي تعمل الحكومة على تحقيقه”، مؤكدة استعداد الصندوق لتقديم المساعدة بما يشمل الدعم الفني للمؤسسات الرئيسية. وأضافت أن الصندوق “منخرط بالكامل” مع سورية، وأن فريقاً من خبرائه زار دمشق في وقت سابق لمناقشة تعزيز قدرات البنك المركزي في أداء دوره كركيزة للاستقرار المالي. وشددت على أن برنامج العمل المشترك يتضمن تحديد احتياجات تنمية القدرات وتقديم الدعم بسرعة، مشيرة إلى أن البنك الدولي “منخرط بقوة أيضاً” في المسار نفسه، وأن مؤسستي الصندوق والبنك تعملان بشكل متكامل في الوقت الحالي.
•تعزيز دور البنك المركزي في مسار الإعمار الاقتصادي
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع خلال زيارته إلى مصرف سورية المركزي أمس أهمية تطوير القطاع المصرفي وتعزيز دوره بوصفه ركيزة أساسية لدعم مسار التنمية الاقتصادية. ويرى مراقبون أن تطوير البنية المصرفية يمثل شرطاً محورياً لإعادة تنشيط التمويل المحلي، وتحفيز الاستثمارات، وتفعيل الدور الائتماني للمصارف وتمكينها من المساهمة في عمليات الإنتاج والتشغيل، بما ينسجم مع الأولويات الاقتصادية في مرحلة التعافي.
•إشارات تعافٍ… لكنها مشروطة بعوامل متعددة
يرى خبراء اقتصاديون أن المؤشرات الإيجابية التي بدأ صندوق النقد الدولي رصدها لا تعني خروج الاقتصاد السوري من أزمته بعد، لكنها تعكس بداية تغيير في المسار، خاصة مع اتجاه السلطات نحو انضباط مالي ونقدي أكبر، وتوسيع الحوار مع المؤسسات الدولية. ويظل مسار التعافي مرتبطاً بقدرة سورية على جذب التمويل الخارجي، واستعادة الاستثمارات، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، إلى جانب إصلاحات تنظيمية وتشريعية تتيح بيئة اقتصادية أكثر جاذبية.
•مرحلة اختبار للسياسات الاقتصادية المقبلة
تأتي التطورات الحالية في وقت يسعى فيه الاقتصاد السوري إلى تخفيف آثار سنوات من الركود والتضخم والضغوط على المالية العامة. ويشير محللون إلى أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الحكومة على الاستفادة من الدعم الفني والمؤسسي الذي يعرضه الصندوق، وترجمة التوصيات إلى إجراءات واقعية تعيد انتظام الدورة الاقتصادية وتدعم الاستقرار النقدي.
