•بقيمة 4.94 تريليون دولار،ك بزيادة سنوية 12.4% في عدد الصفقات و37% في قيمتها
•المنطقة العربية ظهرت بوضوح في خريطة الصفقات المنجزة
في عام واحد، عاد سوق الاندماج والاستحواذ العالمي من حالة الترقّب إلى الهجوم. من وول ستريت إلى الخليج، شهد عام 2025 تنفيذ نحو 50 ألفاً و810 صفقات اندماج واستحواذ على مستوى العالم، بقيمة 4.94 تريليون دولار، بزيادة سنوية بلغت 12.4% في عدد الصفقات و37% في قيمتها، بناء على تقرير بيتش بوك PitchBook السنوي 2025.
ومع أن التباطؤ سيطر على الربع الثاني، فإن النصف الثاني من العام قلب المعادلة بالكامل، إذ سجّل الربعان الثالث والرابع مستويات قياسية، وكان الربع الأخير الأقوى تاريخياً من حيث العدد والقيمة معاً.
اللافت أن محرك هذا المستوى لم يكن الصفقات الصغيرة، بل الصفقات التي تتجاوز قيمتها مليار دولار. في 2025، تم تنفيذ 617 صفقة ضخمة، شكّلت نحو 1.5% من إجمالي عدد الصفقات، لكنها استحوذت وحدها على 56.6% من القيمة الإجمالية، أي ما يعادل 2.6 تريليون دولار.
قفزت قيمة هذه الصفقات بأكثر من 62.3% مقارنة بالعام السابق، في مؤشر واضح على البحث عن الحجم والهيمنة والابتكار.
الفائدة والذكاء الاصطناعي هما ثنائي الدعم
لعب خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا دوراً محورياً في تسهيل التمويل، لكن العامل الحاسم كان الذكاء الاصطناعي.
لجأت شركات كبرى إلى الاستحواذ كطريق أسرع لتعزيز قدراتها التكنولوجية، فيما بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في عمليات الفحص النافي للجهالة، ما سرّع إتمام الصفقات وغيّر قواعد تقييم المخاطر.
وفي أوروبا، ساعد ارتفاع اليورو مقابل الدولار من مستويات قريبة من التعادل إلى ذروة عند 1.19 دولار، في دعم الفجوة بين حجم وقيمة الصفقات في عمليات الاندماج العابرة للحدود بين أوروبا وأميركا الشمالية.
أميركا وأوروبا.. مركز الثقل
سجّلت أميركا الشمالية قرابة 3 تريليونات دولار قيمة صفقات في 2025، مقتربة بفارق بسيط من كسر حاجز تاريخي جديد.
وحقق نشاط الاندماج والاستحواذ في أميركا الشمالية عاماً قياسياً من حيث القيمة في 2025، إذ بلغ 2.99 تريليون دولار عبر 19,503 صفقات معلنة أو مكتملة.
وتجاوزت قيم الصفقات في الربعين الثالث والرابع 800 مليار دولار لكل ربع، وهو رقم قياسي فصلي جديد.
شهدت أوروبا من جهتها نحو 21 ألف صفقة بقيمة 1.3 تريليون دولار، مستفيدة من استقرار نسبي في التضخم وتراجع كلفة الاقتراض، إضافة إلى جاذبية التقييمات المنخفضة مقارنة بالولايات المتحدة.
لعبت شركات الاستثمار المباشر دوراً محورياً، إذ ارتفعت حصة الاستثمار المباشر من إجمالي قيمة الصفقات الأوروبية من 32.1% إلى 50.7% في 2025.
اللافت أن أوروبا تفوقت على أميركا الشمالية في عدد الصفقات للعام الثالث على التوالي.
أظهرت البيئة التنظيمية الأميركية في 2025، في ظل الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب، موقفاً أكثر مرونة تجاه تدقيق مكافحة الاحتكار، إذ فاقت الصفقات المعتمدة تلك التي تم حظرها، وغالباً مع اشتراطات التخارج من بعض الأصول.
تختبر صفقات عملاقة معلقة، مثل استحواذ نتفليكس على وورنر براذرز ديسكفري بقيمة 82.7 مليار دولار وشراء يونيون باسيفيك لشركة نورفولك ساذرن بقيمة 89.2 مليار دولار، موقف الإدارة الحالية.
على الصعيد الأوروبي، وافقت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) على جميع عمليات الاندماج الـ36 التي تم فحصها دون حظر، للمرة الأولى منذ عام 2017.
صورة مختلطة للتدفقات عابرة للحدود
أما عن مستوى الصفقات العابرة للحدود، فارتفعت قيمتها عالمياً بنحو 62% رغم تراجع عددها بنسبة 3.5%. أوروبا ضخّت صافي استثمارات بقيمة 61.4 مليار دولار في السوق الأميركية، في تحول لافت بعد سنوات من تدفق رؤوس الأموال بالاتجاه المعاكس.
عكس هذا التغير استعداد المستثمرين الأوروبيين لدفع أسعار مرتفعة في قطاعات النمو، خصوصاً الرعاية الصحية والتكنولوجيا.
الصفقات العابرة للحدود هي ببساطة عمليات الاندماج والاستحواذ التي تتم بين شركات تقع في بلدان مختلفة.
الشرق الأوسط حاضر في الصفقات الكبرى
ظهرت المنطقة العربية، وإن لم تكن محور التقرير، بوضوح في خريطة الصفقات المنجزة. من أبرزها استحواذ شركة بترول أبوظبي الوطنية أدنوك على شركة كوفيسترو الألمانية بقيمة 16.33 مليار دولار، في صفقة عكست توجه شركات الطاقة في الخليج نحو التوسع الصناعي والمواد المتقدمة، وتنويع مصادر العائد بعيداً عن النفط الخام.
تباين القطاعات.. التكنولوجيا في الصدارة
تصدّر قطاع التكنولوجيا بأكبر زيادة في مؤشر اتجاه نشاط الصفقات سبب البرمجيات وأشباه الموصلات، فيما حافظت الخدمات المالية على نشاط قوي مدعوم بعمليات دمج وتوسّع في قيمة الصفقات.
فقد ارتفع قطاع تكنولوجيا المعلومات من 0.34 في الربع الثالث إلى 1.23 خلال الربع الرابع من عام 2025.
نهاية 2025، في الربع الرابع، كانت تشهد انتقالًا في اهتمام المستثمرين نحو التكنولوجيا والخدمات المالية من حيث عدد الصفقات، بينما بقيت التقييمات أكثر تحفظاً في معظم القطاعات، باستثناء المواد الخام والخدمات المالية.
العوامل الاقتصادية
كان تأثير العوامل الاقتصادية الكلية على نشاط الاندماج والاستحواذ في 2025 مختلطاً، لكنه تم تجاوزه في نهاية المطاف.
في بداية 2025، واجه النشاط العالمي اضطرابات بسبب عوامل كلية، أبرزها عدم قابلية التنبؤ بالرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الفائدة، ما أدى إلى نشاط مسطح في أميركا الشمالية خلال الربع الثاني. وبالمثل، تعثر نشاط التعاملات بين الشركات في الربع الثاني نتيجة المخاطر الجمركية والتقلبات الجيوسياسية.
أسهمت عدة تخفيضات لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية الأوروبية في دعم التمويل وشهية المخاطر المطلوبة للصفقات الكبيرة، ما دفع طفرة الصفقات العملاقة.
وفي الولايات المتحدة، دعمت ثلاثة تخفيضات للفائدة خلال العام، إلى جانب تحسن تكلفة التمويل نتيجة تضييق الفوارق، تحول النشاط نحو الصفقات العملاقة في النصف الثاني من العام.
أما في أوروبا فقد استقرت الظروف الاقتصادية مع عودة التضخم إلى المستهدف في منطقة اليورو، وأشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن دورة التيسير النقدي الحالية قد تقترب من نهايتها، ما دعم تسارع النشاط في النصف الثاني.
نظرة إلى 2026
بدأ نشاط الاندماج والاستحواذ عام 2025 تحت ضغط أسعار فائدة مرتفعة وعدم يقين جمركي، ما أدى إلى تباطؤ في الربع الثاني، لكنه شهد دفعة قوية في النصف الثاني بفضل تخفيضات الفائدة واستقرار الأوضاع الاقتصادية، ليسجل قفزة قياسية في قيمة وعدد الصفقات.
هذا الأداء مرشح للاستمرار، لكن بقدر أعلى من التعقيد.. وما زالت السيولة متوافرة، والفرص في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والطاقة جذابة، إلا أن التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين التجاري يفرضان على المستثمرين دقة أكبر في اختيار الصفقات.
ومن زاوية الأخرى، مع التوجه إلى 2026، برزت تحديات مثل تباطؤ النمو الاقتصادي واستمرار عدم اليقين الجمركي، إلا أن النشاط القوي في 2025 أظهر مرونة السوق أمام التقلبات.
باختصار، عاد سوق الاندماج والاستحواذ بقوة، لكن الفوز فيه سيكون للأكثر استعداداً، لا للأكثر جرأة فقط.




