بقلم: مهند يوسف
قبل أيام سألتني ابنتي أمونة التي تقف اليوم على بعد خطوات من التخرج من الجامعة سؤالا يبدو بسيطا ومنطقيا لأي خريج جامعي مقبل على الوظيفة ..
قالت وسورة الشباب في عينيها .. بابا لو كنت مكاني أتختار الحكومة أم القطاع الخاص؟
قلت لها رغم تحيزي الوظيفي الذي تعرفه..
“قبل أن أجيبك.. تخيلي أن أمامك بابين..
بابا حكوميا يغريك بما يبحث عنه كل شاب في بداية حياته.. الأمان الوظيفي..
وبابا آخر للقطاع الخاص.. قد يمنحك مساحة أكبر للمنافسة والصعود.. لكنه يطلب منك أن تقبلي بقدر أكبر من المخاطرة ..فأي البابين ستختارين؟
لم أحتج إلى انتظار الإجابة طويلا مع وضوح بريق عينيها البريئتين نحو الباب الأول ..
لكن سؤال أمونة سؤال مستحق يفتح بابا آخر للنقاش ..
لأنني اكتشفت أنني كنت أطلب منها أن تختار بين وظيفتين.. بينما السؤال الحقيقي أكبر من ابنتي ومن الوظيفة التي ستختارها..
فإذا كانت الدولة تريد من جيل أمونة أن يتجه أكثر إلى القطاع الخاص.. فهل هي صنعت لهذا الجيل معادلة تجعل اختياره منطقيا؟
فنحن أحيانا نقف خلف الشاب ونقول له
“اختر الباب الثاني”.. فإذا دخل الأول قلنا مستغربين..
“لماذا يفضل الكويتي الوظيفة الحكومية؟”
ربما ظلمنا أبناءنا بالسؤال..
فالإنسان في النهاية يذهب غالبا إلى المكان الذي صنعت له الحوافز طريقا إليه .. ولهذا أعتقد أن مشكلة سوق العمل في الكويت لن تحل فقط بأن نقنع المواطن بتغيير اختياره وإنما علينا أن نغير المعادلة التي يختار داخلها..
الكويت لم تبخل على أبنائها يوما ولا نريدها أن تفعل لكن السؤال اليوم ليس كم تنفق الدولة على المواطن
السؤال الأهم ..كيف نجعل هذا الإنفاق يبني للمواطن مستقبلا ويبني للكويت اقتصادا في الوقت نفسه؟
• حين تقول الحوافز شيئا آخر
الأرقام ربما تفسر كثيرا مما يحدث .. فلقد ذكرت في مقال سابق ما قاله صندوق النقد الدولي عن أن نحو 80% من الكويتيين العاملين يعملون لدى الحكومة وإن الوظيفة الحكومية تمنح علاوة في الأجر تتراوح بين 40 و60% مقارنة بوظائف مماثلة في القطاع الخاص إلى جانب أمان وظيفي أكبر وساعات عمل أقصر وهذا يقودنا للتساؤل المنطقي ..
فإذا كانت هذه هي المعادلة.. فلماذا نستغرب إذا النتيجة؟
نقول للشاب إن مستقبل الاقتصاد في القطاع الخاص..
ثم تأتي الحوافز لتقول له إن الوظيفة الحكومية أكثر أمانا وربما أعلى دخلا وأقصر وقتا .. يعني بسذاجة نطلب منه أن يسمع خطابنا وأن يتجاهل حساباته ..
ولهذا أعتقد أن البداية الصحيحة ليست أن نسأل
“كيف نجعل الكويتي أقل رغبة في الوظيفة الحكومية”
وإنما “كيف نجعل القطاع الخاص أكثر رغبة في الكويتي.. وأكثر جاذبية له”.
• من يأخذ أكثر.. يعطي أكثر
برأيي أن الدولة تملك ورقة شديدة القوة ..
فالدولة لا تؤثر في سوق العمل من خلال الوظائف الحكومية وحدها.. فهي أكبر مشتر وهي التي تطرح المشاريع والمناقصات وتقدم الدعم والتسهيلات والامتيازات وتنفق مليارات الدنانير التي تتحول في النهاية إلى أعمال وإيرادات وفرص للقطاع الخاص ..
فلماذا لا نستخدم جزءا أكبر من هذه القوة الاقتصادية لإعادة تشكيل سوق العمل نفسه؟
فأنا أعتقد أن القاعدة يمكن أن تكون مختلفة وبسيطة وهي أنه “كلما زادت استفادة الشركة من الدولة.. زادت مسؤوليتها تجاه أبناء الدولة”
فالشركة الصغيرة التي تعمل في السوق بمواردها تختلف عن الشركة التي تحصل على مئات الملايين من المناقصات الحكومية .. والشركة التي لا تحصل على مزايا عامة تختلف عن الشركة التي تستفيد من دعم أو أرض أو امتياز أو تسهيلات تقدمها الدولة.. ولهذا يمكن أن تكون هناك نسب أساسية للعمالة الوطنية في القطاع الخاص ونسب أعلى للشركات التي تدخل المناقصات الحكومية أو تحصل على مزايا ودعم من الدولة مع مراعاة طبيعة كل قطاع وقدرته الحقيقية على استيعاب العمالة الوطنية .. وعندها تصبح العلاقة أكثر عدالة وفق نموذج ربحي متبادل ” الدولة تفتح أمام الشركة فرصة..والشركة تفتح أمام الكويتي فرصة”.
• الفكرة جربها غيرنا
هذا ليس تنظيرا اقتصاديا نبدأه من الصفر ..
ففي الإمارات مثلا يعمل برنامج المحتوى الوطني على فكرة قريبة جدا.. الدولة والشركات الوطنية الكبرى تستخدم مشترياتها لتعيد جزءا أكبر من الإنفاق إلى الاقتصاد المحلي .. ويأخذ تقييم الشركات في الاعتبار الإنفاق المحلي والاستثمارات وتوظيف الإماراتيين وتطويرهم.
والنتيجة تستحق التأمل.. بلغ الإنفاق المحلي ضمن الجهات المشاركة في البرنامج 67 مليار درهم في 2023 ووصل إلى 48 مليار درهم في النصف الأول من 2024 وحده فيما بلغ عدد الإماراتيين العاملين في الشركات الحاصلة على شهادة البرنامج نحو 19 ألف مواطن في منتصف 2024 بزيادة 40% خلال عام.
أي أن الدولة لم تقل للشركات فقط ..
وظفوا أبناءنا وإنما استخدمت قوة المشتريات نفسها لتجعل القيمة التي تبقى داخل البلد جزءا من المنافسة على الفرصة الاقتصادية.
وكذلك في السعودية نجد فلسفة أخرى قريبة من الفكرة .. فالمرحلة الجديدة من برنامج نطاقات المطور التي بدأت في 2026 وتستمر ثلاث سنوات تستهدف توطين أكثر من 340 ألف وظيفة إضافية في القطاع الخاص وتقول وزارة الموارد البشرية السعودية إن تصميم البرنامج يستند إلى تحليل سوق العمل وقدرة المنشآت في القطاعات المختلفة ..
وهنا تكمن الفكرة المهمة وهي أن “التوطين لا يعني أن نضع النسبة نفسها على الجميع وإنما أن نطلب من كل قطاع ما يستطيع أن يقدمه فعليا” .. فلسنا بحاجة إلى نسخ التجربة الإماراتية أو السعودية حرفيا.. لكن التجربتين تقولان شيئا يستحق أن نسمعه وهو أنه
يمكن للدولة أن تستخدم الفرصة الاقتصادية التي تمنحها للشركة كي تصنع في المقابل فرصة لمواطن.
• الدولة تساعد في البداية.. والسوق يكافئ بعد ذلك
لكن لا يمكن أن نطلب من القطاع الخاص أن يوظف كويتيين أكثر ثم نترك نصف المعادلة الآخر بلا حل ..
فالكويتي نفسه يجب أن يجد سببا اقتصاديا مقنعا للذهاب إليه وهذا يقتضي إعادة النظر في دعم العمالة لننظر إليه بصورة أوسع في خط مواز مع مناقشة مفهوم الحد الأدنى المناسب للأجر للكويتي بحيث تصبح البداية في القطاع الخاص مجدية وقادرة على المنافسة خصوصا في السنوات الأولى من الحياة المهنية.
لأن الدولة تستطيع أن تساعد في البداية أما بعد ذلك فينبغي أن تبدأ الخبرة والإنتاجية والترقي والمكافآت في صناعة دخل الإنسان .. وهذه واحدة من أهم مزايا القطاع الخاص حين يعمل بصورة صحيحة وفق آلية منطقية وهي أن الشركة تعرف أين تصرف دينارها..
فهي تدرب لأنها تحتاج إلى مهارة.. وتكافئ لأنها تريد نتيجة.. وترقي لأنها تريد الاحتفاظ بالإنسان الذي أصبح أكثر قيمة لها.
وبعد سنوات من العمل قد تصبح المكافآت ونهاية الخدمة والمزايا والتطور في الدخل أكبر بكثير من نقطة البداية ومن هنا سيتحول دعم العمالة من مبلغ يدفع حتى يقبل الكويتي بالقطاع الخاص إلى جسر يساعده على دخوله.. ثم تترك كفاءته تقرر إلى أين يصل.
• لا تنقلوا البطالة المقنعة
لكن هناك خطأ يجب ألا نقع فيه فمسألة رفع نسب التكويت وحده لا يصنع نجاحا لأنك يمكن أن تطلب من شركة توظيف مئة كويتي وتحقق النسبة المطلوبة..
ثم تكتشف أنك نقلت البطالة المقنعة من مبنى حكومي إلى مبنى خاص .. وهذا ليس إصلاحا لأن الهدف ليس اسما كويتيا على كشف الرواتب وإنما الهدف أن تكو هناك قيمة كويتية داخل الشركة ..لذلك فإن أي توسع في نسب العمالة الوطنية يجب أن يسير معه تدريب حقيقي ومسار وظيفي ونقل للمعرفة وفرصة للصعود.
فنحن لا نريد بعد عشر سنوات أن نعرف فقط كم كويتيا وظفت الشركة ولكن كم واحدا منهم أصبح مديرا؟
وكم مهندسا أصبح خبيرا؟
وكم موظفا تضاعفت إنتاجيته ودخله؟
وكم واحدا خرج من الشركة بعد سنوات ليؤسس شركته ويوظف كويتيين آخرين؟
عندها نكون قد انتقلنا من تكويت الوظيفة إلى تكويت القيمة.
• الدليل أن البوصلة تتحرك
وقد نعتقد أن تغيير وجهة الكويتي من الحكومة إلى القطاع الخاص أمر شديد الصعوبة.. لكن هناك رقما يستحق التأمل .. يقول صندوق النقد “إنه للمرة الأولى خلال عقد كامل شغل الكويتيون في 2024 وظائف جديدة في القطاع الخاص أكثر من الوظائف الجديدة التي شغلوها في القطاع الحكومي” ..
وهذه من وجهة نظري ليست نهاية المشكلة لكنها إشارة مهمة لأنها تقول إن سلوك سوق العمل ليس قدرا ثابتا فحين تتغير الفرصة يتغير الاختيار وحين يرى الشاب أمامه شركة تمنحه دخلا جيدا وتدريبا ومستقبلا وفرصة حقيقية للصعود لن نحتاج إلى محاضرة طويلة كي نشرح له فضائل القطاع الخاص لأن الفرصة هي التي ستشرحها له بنفسها .
• حين يصبح المشروع مدرستين
وهنا يمكن أن نذهب بالفكرة أبعد من الوظيفة نفسها فالكويت مقبلة على مشاريع واستثمارات كبيرة وكل مشروع منها يستطيع أن يبني شيئين في الوقت نفسه ..
“الأصل الذي نراه والخبرة التي لا نراها” ..
نبني محطة كهرباء ونبني معها مهندسين كويتيين قادرين على إدارة محطات أخرى ..
نبني مدينة ونبني معها مطورين ومديري مشاريع ومتخصصين ..
ندخل تقنية جديدة ونطلب معها نقل المعرفة إلى عقول كويتية ..
ونمنح شركة عالمية عقدا كبيرا فلا يكون ما تتركه في الكويت بعد انتهاء العقد مبنى ومعدات فقط.. وإنما إرثا من بينه كويتي يعرف اليوم ما لم يكن يعرفه بالأمس.
فالمناقصة التي تبني مشروعا قد بنت للكويت مرة أما التي تبني المشروع وتبني معه الإنسان فقد بنت الكويت مرتين.
• الدولة لا تتخلى عن أبنائها
كل هذا لا يعني أن تتراجع الدولة عن مسؤوليتها تجاه المواطن لأن المعادلة في رأيي معكوسة تماما ..
الكويت لم تبخل على أبنائها والمطلوب ألا تقل قيمة ما تقدمه لهم وإنما أن يكبر العائد مما تقدمه ..
فبدلا من أن تكون الحكومة الباب الأكبر للحصول على وظيفة جيدة يمكن للدولة أن تستخدم قوتها المالية والتشريعية والتنظيمية حتى تساعد في صناعة آلاف الأبواب خارجها وعندها يصبح القطاع الخاص شريكا للدولة في صناعة الطبقة الوسطى الكويتية وفي التدريب وفي رفع الإنتاجية وفي صناعة المدير والمهندس والفني ورائد الأعمال وتتحول العلاقة من دولة تبحث كل عام عن مكان توظف فيه أبناءها إلى اقتصاد يبحث عن الكويتي لأنه يحتاج إليه.
• البابان مرة أخرى
وبعد كل هذه الأرقام والأفكار..
أعود إلى ابنتي أمونة وإلى سؤالها البسيط الذي بدأ منه هذا المقال ” بابا.. الحكومة أم القطاع الخاص؟”
وربما لو سألتني السؤال نفسه بعد أن كتبت كل هذا..
لن أختار لها بابا وسأقول لها
“أتمنى عندما تتخرجين أن تجدي أمامك بابين يستحقان الاختيار وأن تكون الوظيفة الحكومية فرصة محترمة لخدمة بلدك وأن يكون القطاع الخاص عالما واسعا تستطيعين فيه أن تكبري بقدر ما تتعلمين وتنتجين..
في مقابل راتب جيد ..تدريب.. مكافآت.. مسار تستطيعين أن تصعدي فيه.. وفرصة قد تأخذك يوما من موظفة تبحث عن مكان لها إلى صاحبة عمل تصنع أماكن لغيرها
عندها يا أمونة..لن يكون مهما عندي أي البابين اخترت بل سيكون المهم أن الكويت أعطتك حق الاختيار بين فرصتين حقيقيتين” ..
وهنا تحديدا سنعرف أن المعادلة تغيرت .. فالكويت لا تحتاج إلى أن تنفق أقل على أبنائها بقدر ما تحتاج أن تجعل إنفاقها عليهم ينتج أكثر ..
في النهاية والأهم برأيي أن نصل إلى مرحلة يكون فيها قياس نجاح سياسة التوظيف في المستقبل مرهونا ليس فقط بعدد الكويتيين الذين استطعنا أن نجد لهم مكانا وإنما بعدد الأماكن التي أصبحت تتنافس على الكويتي .. وهذا هو الرهان الحقيقي.
