وداعاً للعرض والطلب.. أسعار النفط رهينة السياسة بعد حرب إيران

وداعاً للعرض والطلب.. أسعار النفط رهينة السياسة بعد حرب إيران

الشرق الأوسط لا يزال يمثل الخطر الأكبر على أسواق الطاقة العالمية

في وقتٍ كانت فيه أسواق الطاقة العالمية تلتقط أنفاسها بعد واحدة من أعنف الصدمات التي شهدتها منذ عقود، أعادت التطورات الجيوسياسية التأكيد على حقيقة جديدة مفادها أن استقرار أسواق النفط والغاز بات رهينة للسياسة والأمن بقدر ارتباطه بعوامل العرض والطلب.

وتقول شركة ريستاد إنرجي لتحليلات الطاقة إن الحرب الإيرانية الأميركية دفعت أسعار خام برنت إلى القفز من نحو 70 دولاراً للبرميل في منتصف فبراير شباط الماضي إلى ما يقرب من 120 دولاراً للبرميل في أواخر مارس آذار الماضي، بينما تضاعفت تقريباً أسعار الغاز الأوروبية لترتفع من 30 يورو إلى 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة خلال الفترة نفسها.

تلك القفزة لم تكن انعكاساً لاضطرابات الإمدادات الفورية فحسب، بل جاءت نتيجة إعادة تسعير شاملة للمخاطر المرتبطة بأمن الملاحة البحرية، وهشاشة البنية التحتية للطاقة، واحتمالات انزلاق منطقة الشرق الأوسط إلى حرب أوسع نطاقاً، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

هدنة مؤقتة.. لكن الأزمة لم تنتهِ

وفي الثامن من أبريل الماضي توصلت أميركا وإيران إلى اتفاق على هدنة لوقف إطلاق النار ثم توقيع مذكرة تفاهم في يونيو حزيران الحالي، لتنص على وقف الحرب بما يشمل جبهة لبنان، وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ومن المفترض أن تعقب ذلك مفاوضات هدفها التوصل خلال 60 يوماً لاتفاق نهائي يشمل ملفات أهمها البرنامج النووي الإيراني.

وأسهم ذلك في تراجع أسعار النفط إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، مع بدء الأسواق بتسعير سيناريو إعادة فتح تدريجية لمضيق هرمز، إلّا أن ريستاد إنرجي ترى أن مذكرة التفاهم لا تمثل نهاية للأزمة، بل بداية لمسار تفاوضي طويل ومعقد، إذ لا تزال القضايا الجوهرية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني ومستقبل السيطرة على مضيق هرمز دون حل.

وأضافت شركة تحليلات الطاقة أن احتمال حدوث صدمة نفطية فورية انخفض بشكل ملحوظ، لكنه لم يختفِ بالكامل، وهو ما يفسر استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار الطاقة.

وترى الشركة أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت أكثر تركيزاً حول عدد محدود من بؤر التوتر ذات التأثير المرتفع، يتصدرها تصاعد الحرب في الشرق الأوسط واحتمال استئناف القتال، بالإضافة إلى استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وما قد ينتج عنها من اضطرابات إضافية في الإمدادات الروسية، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، وأخيراً التوترات السياسية في فنزويلا.

وبحسب ريستاد، فإن الشرق الأوسط لا يزال يمثل الخطر الأكبر على أسواق الطاقة العالمية، بعدما أدت الاضطرابات في مضيق هرمز والهجمات على البنية التحتية إلى خلق واحدة من أخطر أزمات أمن الطاقة منذ عقود.

مضيق هرمز.. التعافي لا يزال بعيداً

وتشير بيانات الشركة إلى أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز انهارت من نحو 110 سفن يومياً قبل اندلاع الحرب إلى متوسط يقارب ثماني سفن فقط يومياً منذ بداية الأزمة، حيث أدى هذا الانخفاض الحاد إلى تحويل المواجهة العسكرية إلى صدمة عالمية في أسواق الطاقة، بعدما اضطرت الأسواق إلى إعادة تقييم موثوقية صادرات دول الشرق الأوسط وقدرة المسارات البديلة على تعويض الإمدادات المفقودة. وعلى الرغم من التحسن المحدود في حركة السفن بعد مذكرة التفاهم، فإن عودة التدفقات إلى مستويات ما قبل الحرب لا تزال تحتاج إلى وقت طويل، إذ يتعين على شركات الشحن والتأمين استعادة الثقة تدريجياً قبل عودة النشاط الطبيعي.

وتقول ريستاد إنرجي إنها وضعت السيناريو الأساسي لأسواق النفط وبموجبه ينخفض حجم الإنتاج المتعطل من النفط والغاز في الشرق الأوسط من نحو 16.9 مليون برميل من النفط المكافئ يومياً في يونيو إلى نحو 8 ملايين برميل يومياً بحلول أغسطس، ثم إلى مليون برميل يومياً فقط بنهاية العام.

الإتفاق المحدود.. السيناريو الأكثر ترجيحاً

ورفعت ريستاد إنرجي احتمال التوصل إلى اتفاق محدود بين الولايات المتحدة وإيران إلى 55%، مقارنة بـ40% سابقاً، وبموجب هذا السيناريو، يتم إحراز تقدم كافٍ لتجنب تجدد القتال واستعادة جزء كبير من حركة المرور عبر مضيق هرمز، مع تعافي التدفقات تدريجياً إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً بحلول يناير المقبل.

وحذّرت شركة تحليلات الطاقة من أن الاتفاق لن يزيل الطابع السياسي عن المضيق، كما لن يمنع إيران من الاحتفاظ بأوراق ضغط يمكن استخدامها مستقبلاً، وهو ما يعني استمرار وجود علاوة مخاطر جيوسياسية في أسعار النفط.

وفي المقابل، تمنح الشركة احتمالاً يبلغ 25% لسيناريو الجمود السياسي، حيث يستمر وقف إطلاق النار دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وهو ما يبقي الأسواق تحت ضغط حالة عدم اليقين، أما السيناريو الأكثر سلبية، والمتمثل في انهيار المفاوضات وتجدد القتال، فتقدر الشركة احتماله عند 10%، لكنه يظل الخطر الأكبر القادر على دفع أسعار النفط إلى موجة صعود جديدة.

روسيا تستفيد من اضطرابات الشرق الأوسط

وتقول ريستاد إنرجي إن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الأزمة في الشرق الأوسط منح موسكو متنفساً مالياً مهماً، إذ تضاعفت الإيرادات الروسية من صادرات النفط الخام المنقول بحراً أكثر من مرتين لترتفع من نحو 4 مليارات دولار في فبراير إلى نحو 10.5 مليار دولار في مايو، حيث ساعدت هذه الإيرادات المرتفعة روسيا على تأجيل أي مفاوضات سلام جديدة مع أوكرانيا وتخفيف الضغوط التي تواجهها مالياً، إلّا أن هذه المكاسب تبدو مؤقتة، إذ إن تراجع أسعار النفط بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بدأ بالفعل بتقليص هذه الإيرادات الاستثنائية.

المخاطر تنتقل إلى آسيا

وترى شركة تحليلات الطاقة أن الأزمة كشفت هشاشة نقاط الاختناق البحرية في العالم، وأعادت تسليط الضوء على مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 17 مليون برميل يومياً من النفط الخام ونحو 20% من التجارة العالمية، حيث أظهرت الأزمة أن تعطيل الملاحة البحرية يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة جيوسياسية فعّالة، وهو ما دفع العديد من الدول الآسيوية إلى إعادة تقييم استراتيجيات أمن الطاقة لديها.

وفي هذا السياق، برزت الصين بوصفها الدولة الأكثر قدرة على امتصاص الصدمات، بفضل امتلاكها احتياطيات نفطية ضخمة تتجاوز 1.3 مليار برميل، أي ما يعادل نحو 130 يوماً من الواردات.

عصر جديد من المخاطر

وترى ريستاد إنرجي أن المخاطر الجيوسياسية لم تعد عاملاً ثانوياً في خلفية أسواق الطاقة، بل أصبحت محركاً رئيسياً لتحديد اتجاهات الأسعار، حيث إن الدبلوماسية نجحت في تخفيف الصدمة الفورية، لكنها لم تعالج الأسباب العميقة للأزمة، وبالتالي، فإن أسواق النفط والغاز تدخل مرحلة جديدة عنوانها الرئيسي هو استمرار الضبابية، حيث ستظل الأسعار رهينة للتطورات السياسية والعسكرية بقدر ارتباطها بأساسيات العرض والطلب.

اكتشف المزيد