اختناق سوق وقود الطائرات.. والتعافي ليس قريباً

اختناق سوق وقود الطائرات.. والتعافي ليس قريباً

الاضطرابات الحالية تمثل واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ سوق النفط

تراجع أسعار التذاكر قد يستغرق 6 إلى 12 شهراً أو أكثر في حال تحسن الإمدادات

في واحدة من أكثر صدمات سوق المشتقات النفطية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، تسببت حرب إيران في حالة اختناق بسوق وقود الطائرات مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع عدداً من محللي الطاقة إلى التوقع أنه حتى إعادة فتح مضيق لن تكون كافية لإعادة التوازن السريع إلى سوق وقود الطائرات، في ظل اختناقات ممتدة تشمل التكرير، والخدمات اللوجستية، وسلاسل التعاقد، وهو ما يجعل التعافي مساراً تدريجياً وليس حدثاً فورياً.

يقول ديفيد جوربناز، الخبير في سوق النفط ومحلل أسواق النفط في ICIS، إن التعافي في سوق وقود الطائرات لن يحدث بسرعة، حيث إن إعادة فتح المضيق لا تعني استعادة فورية للإمدادات لأن الاختناق الحقيقي يتجاوز حركة الشحن ليشمل منظومة التكرير والتأمين وثقة السوق وسلاسل التوريد، وفقاً لشبكة «CNN».

تعافٍ متعدد المراحل وليس صدمة واحدة

ويرى جوربناز أن عودة سوق وقود الطائرات تمر عبر سلسلة طويلة من المراحل المتداخلة، تبدأ بعودة الثقة في الملاحة البحرية، بعد فترة من عزوف شركات الشحن والتأمين عن التعامل مع المنطقة، حتى في فترات كانت فيها الممرات مفتوحة تقنياً، ثم تأتي مرحلة تراكم الناقلات، حيث تبقى كميات كبيرة من وقود الطائرات والمنتجات المكررة عالقة على متن السفن، ما يعني أن إعادة توزيع التدفقات العالمية قد تستغرق عدة أشهر حتى بعد تحسن الظروف التشغيلية.

وأضاف الخبير في سوق النفط ومحلل أسواق النفط في ICIS أن المرحلة الأكثر بطئاً هي إعادة تشغيل المصافي، حيث يمكن أن يتعافى إنتاج الخام نسبياً، لكن البنية التحتية التكريرية المتضررة تحتاج إلى وقت أطول بكثير، وقد تمتد فترة العودة الكاملة إلى طاقتها التشغيلية إلى سنوات في بعض المواقع، حيث إن قيود التصدير تعمّق التأخير، إذ لا يتم رفعها فوراً حتى مع تحسن الإمدادات، بينما تحتاج شركات الطيران إلى إعادة بناء عقود التوريد تدريجياً، في ظل قيود جودة تحد من إمكانية الاستبدال السريع للوقود.

وبحسب تقديرات جوربناز، فإن الحد الأدنى لعودة سوق وقود الطائرات إلى وضع طبيعي يتراوح بين 3 و6 أشهر، وقد يمتد أكثر من ذلك، فيما تظل أسعار تذاكر الطيران مرتفعة فترة أطول حتى بعد استقرار السوق.

فقدان إمدادات واسع النطاق

ويؤكد جوربناز أن الاضطرابات الحالية تمثل واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في تاريخ سوق النفط، مع خسائر تقدر بملايين البراميل يومياً، وتراجع كبير في إنتاج الشرق الأوسط نتيجة تعطل الصادرات وتفكك سلاسل الإمداد، حيث التقديرات تشير إلى فقدان نحو 620 ألف برميل يومياً من وقود الطائرات والكيروسين خلال الربع الثاني من عام 2026، نتيجة انخفاض التشغيل في المصافي وتقييد التدفقات، مع تعرض أوروبا بشكل خاص لمخاطر الإمدادات بسبب اعتمادها على واردات مرتبطة بالشرق الأوسط.

لماذا يتفوق وقود الطائرات في الارتفاع السعري؟

ويفسّر جوربناز هذا الاختلال بثلاثة عوامل رئيسية: أولوية إنتاج البنزين والديزل داخل المصافي، والاعتماد النسبي الأكبر لوقود الطائرات على تدفقات مضيق هرمز، إضافة إلى القفزة الحادة في هوامش التكرير، تلك العوامل جعلت أسعار وقود الطائرات ترتفع بوتيرة أسرع من النفط الخام، مع تضاعف الأسعار في بعض الأسواق خلال أسابيع، ووصول مؤشرات سنغافورة وأوروبا إلى مستويات قياسية مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب.

ويشير جوربناز إلى أن ارتفاع الأسعار نفسه يدفع المصافي لاحقاً إلى زيادة إنتاج وقود الطائرات، ما يجعل التضخم السعري جزءاً من آلية تصحيح السوق.

تأثير مباشر على شركات الطيران

وبالنسبة لقطاع الطيران، يرى جوربناز أن الانعكاس لن يكون سريعاً على أسعار التذاكر، حتى في حال تحسن الإمدادات، إذ قد يستغرق تراجع الأسعار ما بين 6 و12 شهراً أو أكثر، حيث بدأت شركات الطيران بالفعل بتمرير تكاليف الوقود المرتفعة إلى المستهلكين عبر رسوم إضافية، ورفع الأسعار، وتقليص السعة التشغيلية، ما يجعل أي تحسن في سوق النفط الخام غير كافٍ وحده لإعادة تسعير التذاكر سريعاً.

أما المسار الكامل للعودة إلى رحلات أقل تكلفة، فيقول جوربناز إنه يتطلب خمس مراحل متتابعة تبدأ بإعادة فتح مستدامة لمضيق هرمز وتنتهي باستعادة ثقة شركات الطيران في استقرار أسعار الوقود على المدى الطويل.

وتشير بيانات إس آند بي غلوبال كوميدتي إلى أن منطقة الخليج العربي تستحوذ على أكثر من نصف واردات وقود الطائرات إلى شمال غرب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط العام الماضي، مرتفعة من 57% عام 2024، ويمثل هذا ارتفاعاً من 39% منذ عام 2022، مدفوعاً بانخفاض الواردات القادمة من البحر الأحمر شرق آسيا.

وتقول شركة ريستاد لتحليلات الطاقة إن وقود الطائرات يواجه وضعاً أكثر تشدداً مقارنة بباقي المشتقات، إذ يتنافس مع البنزين والديزل داخل المصافي، ما يجعل إنتاجه أقل أولوية في ظل الاختناقات الحالية، حيث إن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى فقدان يقارب مليون برميل يومياً من إمدادات وقود الطائرات، موزعة بين خسائر مباشرة من الشرق الأوسط وتراجع في الإنتاج الآسيوي، أي ما يعادل أكثر من 10% من الإمدادات العالمية.

وتوضح ريستاد أن الاختناق يتباين جغرافياً، حيث يظهر بأشد صوره في آسيا، بينما يعكس الشرق الأوسط تراجعاً في الطلب المرتبط بالمخاطر التشغيلية، في حين تشهد أوروبا تراجعاً مدفوعاً بارتفاع الأسعار وانخفاض الطلب على السفر.

وتقدّر ريستاد إنرجي أن فتح مضيق هرمز قد يؤدي إلى تفاعل سريع في الأسعار خلال فترة قصيرة، لكن عودة السوق الفعلية إلى توازنها قد تحتاج إلى نحو 60 يوماً، مع بقاء الفجوات السعرية تحت ضغط المعنويات في البداية قبل أن تبدأ بالانكماش تدريجياً.

اكتشف المزيد

Exit mobile version