الولايات المتحدة الأكبر..الدين العام للاقتصادات الكبرى يثير المخاوف

الولايات المتحدة الأكبر..الدين العام للاقتصادات الكبرى يثير المخاوف

يتوقع صندوق النقد الدولي اِستمرار ارتفاع نسبة الدين الأميركي إلى أكثر من 140% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، بينما تبدو نسبة الدين الأوروبية أكثر استقرارًا نسبيًا.

الدين الأمريكي سيتجاوز 40 تريليون دولار

وتتزايد المخاوف بشأن أوضاع الدين العام في الاقتصادات الكبرى، مع تجاوز الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار، في الوقت الذي تواجه فيه أوروبا ضغوطًا مالية متزايدة، تتركز بصورة خاصة في فرنسا، رغم أن إجمالي الدين الحكومي للاتحاد الأوروبي لا يزال أقل من نظيره الأميركي كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وبلغ إجمالي ديون حكومات الاتحاد الأوروبي نحو 15.7 تريليون يورو، بما يعادل نحو 18.2 تريليون دولار، فيما تصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد إلى نحو 83%، مقارنة بأكثر من 120% في الولايات المتحدة.

فرنسا في قلب المخاوف الأوروبية

وتبرز فرنسا باعتبارها أحد أكبر مصادر القلق في سوق الديون الأوروبية، إذ يبلغ دينها العام نحو 118% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضعف النمو وارتفاع العجز المالي.

ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الفرنسي بنحو 0.6% خلال 2026، مع وصول الدين الحكومي الإجمالي إلى نحو 118.5% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.

كما ارتفعت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات، مع اتساع الفارق بينها وبين السندات الألمانية، في مؤشر على ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل حيازة الدين الفرنسي.

اختلاف هيكل الديون بين أميركا وأوروبا

وتختلف طبيعة الدين بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ تتحمل الحكومة الأميركية مسؤولية الدين الفيدرالي بالكامل، بينما تتوزع الديون الأوروبية بين 27 دولة عضوًا، لكل منها أوضاع مالية وقدرات مختلفة على السداد والنمو.

وتستفيد الولايات المتحدة كذلك من مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية وعمق سوق سندات الخزانة الأميركية، ما يمنحها قدرة أكبر على جذب المستثمرين وتمويل عجز الموازنة.

في المقابل، يمكن أن تؤدي الضغوط المالية في دولة أوروبية كبيرة مثل فرنسا إلى انعكاسات أوسع على أسواق السندات في منطقة اليورو، خصوصًا إذا اتسعت الفجوات بين تكاليف الاقتراض للدول الأعضاء.

ارتفاع تكاليف الاقتراض يضغط على الحكومات

وتأتي الضغوط على الديون الأوروبية في وقت تشهد فيه أسواق السندات العالمية ارتفاعًا في العوائد، مع تزايد مخاوف المستثمرين بشأن التضخم وارتفاع الإنفاق الحكومي والاحتياجات التمويلية.

وسجّلت عوائد السندات الفرنسية والألمانية والإيطالية ارتفاعات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، في ظل زيادة احتياجات الاقتراض الأوروبية وتراجع مشتريات البنك المركزي الأوروبي من السندات.

ويؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة تكلفة خدمة الدين بالنسبة للحكومات، ما يضيف ضغوطًا على الموازنات العامة ويحد من قدرة الدول على زيادة الإنفاق أو تمويل مشروعات جديدة.

الاقتراض الأوروبي المشترك يواجه تحديات

وكان الاتحاد الأوروبي قد بدأ في 2021 إصدار سندات مشتركة على نطاق واسع لتمويل خطة التعافي الاقتصادي بعد جائحة كورونا، وسط مقترحات لتوسيع الاقتراض المشترك مستقبلًا لتمويل قطاعات مثل الدفاع والبنية التحتية.

لكن استمرار الضغوط المالية في بعض الدول، وفي مقدمتها فرنسا، قد يزيد صعوبة التوصل إلى توافق بشأن إصدار المزيد من الديون المشتركة، في ظل اختلاف المراكز المالية للدول الأعضاء.

وتثير زيادة الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية مخاوف من ارتفاع تكلفة التمويل بالنسبة للدول الأكثر انضباطًا ماليًا في حال توسع الاتحاد الأوروبي في الاقتراض المشترك.

البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار

ويظل البنك المركزي الأوروبي أحد أهم عوامل احتواء مخاطر اضطراب أسواق السندات الأوروبية، إذ يمتلك أدوات للتدخل في حال حدوث ارتفاعات غير مبررة في تكاليف الاقتراض أو اتساع فروق العوائد بصورة تهدد انتقال السياسة النقدية.

لكن استخدام بعض هذه الأدوات يرتبط بشروط تتعلق بالتزام الدول المعنية بإجراءات إصلاحية وتحسين أوضاعها المالية.

وتزداد أهمية هذه الأدوات مع اقتراب انتخابات 2027 في عدد من الدول الأوروبية، بما فيها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان، وسط مخاوف من أن تؤدي الضغوط السياسية إلى زيادة الإنفاق أو تأجيل إجراءات خفض العجز.

مخاطر تتجاوز فرنسا

ولا تشير هذه التطورات إلى أن فرنسا تواجه حاليًا أزمة ديون مماثلة لأزمة اليونان السابقة، لكن استمرار ارتفاع الدين وضعف النمو وزيادة تكاليف الاقتراض قد يفرض ضغوطًا أكبر على المالية العامة الفرنسية وعلى سوق السندات الأوروبية.

ويرى محللون أن ارتفاع المخاطر المالية في فرنسا قد تكون له تداعيات على دول أوروبية أخرى ذات مستويات دين مرتفعة، خصوصًا إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا، إذا استمرت فروق عوائد السندات في الاتساع.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات إضافية تشمل ارتفاع الإنفاق الدفاعي والاستثمارات في البنية التحتية والتحول إلى الطاقة النظيفة، ما يزيد احتياجات التمويل الحكومية في السنوات المقبلة.

اكتشف المزيد